انتقل إلى المحتوى
ZAزياد أبو عليالموقع الرسمي · كاتب
الرئيسيةمكتبتي ومؤلفاتي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفهرس
ZIYAD ABU ALI / ZA60
كتاب · زياد أبو عليTHE READER

لم أكن الخادم

الفهرس

❦

ألوان القراءة
حجم النص
الكتاب متاح كاملًا: الإهداء، المقدمة، الفصول الواحد والعشرون، والخاتمة. تُحفَظ إعدادات القراءة والموضع على جهازك فقط.

وقت قراءة المتن التقريبي: نحو 192 دقيقة، على أساس 180 كلمة في الدقيقة (يشمل المقدمة والفصول والخاتمة).

ابدأ من أول الكتاب استئناف القراءة

بداية الكتاب

  1. ❦إلى من عرفونا… وإلى من يقرأاقرأ
  2. ❦المقدمةاقرأ

الجزء الأول

  1. 01الفصل الأول · الرجل الذي صنعته في خيالياقرأ
  2. 02الفصل الثاني · عصا لا تنكسراقرأ
  3. 03الفصل الثالث · ثمانية ريالاتاقرأ
  4. 04الفصل الرابع · لم أولد كذابًااقرأ
  5. 05الفصل الخامس · اليد الأخرىاقرأ
  6. 06الفصل السادس · خمس دقائق ومليوناقرأ
  7. 07الفصل السابع · حتى في بيتياقرأ
  8. 08الفصل الثامن · كيف سأواجه أبي؟اقرأ
  9. 09الفصل التاسع · محل بلا ذهباقرأ
  10. 10الفصل العاشر · سأحققه لكاقرأ
  11. 11الفصل الحادي عشر · صفرًا، ولكن حرًااقرأ

الجزء الثاني

  1. 12الفصل الثاني عشر · أعطني حريتياقرأ
  2. 13الفصل الثالث عشر · حين لم يعد الرنين يخيفنياقرأ
  3. 14الفصل الرابع عشر · اكتب لنا خطابًااقرأ
  4. 15الفصل الخامس عشر · رجع أخياقرأ
  5. 16الفصل السادس عشر · يده الباردةاقرأ
  6. 17الفصل السابع عشر · سأذهب إلى الشيخاقرأ
  7. 18الفصل الثامن عشر · الاسم الذي استبعدتهاقرأ
  8. 19الفصل التاسع عشر · إلى أخياقرأ
  9. 20الفصل العشرون · إلى أبياقرأ
  10. 21الفصل الحادي والعشرون · إلى ابنياقرأ

تُحفظ ألوان القراءة والموضع محليًا على هذا الجهاز فقط؛ لا توجد أدوات تتبّع داخل القارئ.

إلى من عرفونا… وإلى من يقرأ
المكتبة/لم أكن الخادم/الإهداء
ZIYAD ABU ALI / ZA60
لم أكن الخادم · الإهداء

الإهداء

ألوان القراءة
حجم النص

إلى من عرفونا… وإلى من يقرأ

❦

الفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/المقدمة
ZIYAD ABU ALI / ZA60
لم أكن الخادم · المقدمة301 كلمة · نحو دقيقتين

المقدمة

ألوان القراءة
حجم النص

حين سألوني عمّن فعل هذا بجسدي، لم أذكر اسم أبي. كنت طفلًا واقفًا أمام رجال رأوا آثار الضرب، ثم رأوا الشرطة تدخل المدرسة، وانتظروا مني جوابًا. قلت إنني سقطت من سور. وحين لم تستقم الحكاية، صنعت حكاية أخرى. ثم بدأت أعطي نفسي ذنوبًا أكبر من عمري، لعلهم يجدون فيما أقوله سببًا يعذرونه به. كان جسدي يدلّ عليه، وكنت أحاول أن أضلّلهم عنه. احتجت أكثر من نصف عمري حتى أستطيع أن أقف إلى جانب ذلك الطفل، وأسمعه من غير أن أطلب منه، مرة أخرى، أن يحمي أباه. كبرت قبل أن أفعل. عملت في الذهب، وتزوجت، وصار لي أولاد، وعرفت كيف أحمل مسؤولية أكبر مني.

تعلّمت أشياء كثيرة، وبقيت كلمة «لا» تتعثر في فمي حين يكون هو أمامي. كنت أعود من السوق رجلًا يعرفه الناس، ثم يعيدني صوته إلى عمر لا يعرفونه. ولهذا تأخرت هذه الصفحات. أمضيت أكثر من أربع سنوات في كتابتها. وكان عليّ، وأنا أروي ما حدث، أن أنتبه إلى العادة القديمة: أن أذكر الألم، ثم أسرع إلى إيجاد عذر لمن أحدثه. أن أروي الإهانة، ثم أخجل أنا منها. أن أضع الحقيقة على الورق، ثم أنشغل بما سيشعر به من يقرؤها أكثر مما انشغلت بما شعر به الطفل الذي عاشها. ستجد هنا أشياء أعرفها لأنني كنت فيها. وأشياء لم أفهمها إلا متأخرًا.

وأشياء ما زلت لا أعرف حقيقتها كاملة. لم أشأ أن أعطي الذاكرة ما ليس فيها، أو أجعل شكي معرفة لم أصل إليها. وستجدني أحب أشخاصًا آذوني، وأعود إلى أبواب خرجت منها، وأصدق كلامًا كان ينبغي أن أتوقف عنده. هذه أيضًا حياتي. لا أريد أن أمحو ضعفي من الحكاية ثم أطالبك بأن تصدق قوتي. كان لي في البيت اسم آخر. سماني أبي «الخادم». ومضت سنوات طويلة وأنا أعمل وأحاول وأقدم ما عندي، كأن اسمي الحقيقي ينتظر أن أستحقه. أكتب الآن، وأترك لذلك الطفل مكانًا في الحكاية لا يستطيع أحد أن يطرده منه. كان يريد قليلًا من الهواء. ومن هناك سأبدأ.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل الأول
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الأول · لم أكن الخادم1,326 كلمة · نحو 7 دقائق

الفصل الأول

الرجل الذي صنعته في خيالي

ألوان القراءة
حجم النص

بدأت حكايتي وذكرياتي من مدينة الرياض. حين أرجع إلى أبعد مكان تستطيع ذاكرتي الوصول إليه، أرى نفسي طفلًا في الرابعة أو الخامسة تقريبًا. ولا أرى شارعًا أركض فيه. أرى شباكًا. كنا نعيش في حبس حقيقي. كان مغلقًا علينا، ولم أكن أعرف الخروج كما يعرفه الطفل عادة، ولا أعرف العالم الذي وراء البيت. كان ما أعرفه من الخارج قليلًا: باب الشبك، والنافذة، وما تستطيع عين طفل أن تلتقطه من خلفهما. كنت أريد أن أخرج. وأحيانًا لم أكن أريد أكثر من أن أقترب من الشباك وأشم الهواء. أن يصل شيء من الخارج إلى وجهي. هواء فقط.

قد تبدو هذه اليوم رغبة صغيرة، لكنها لم تكن صغيرة بالنسبة إلى طفل كان عالمه محصورًا خلف باب مغلق. كنت أعرف أن هناك شيئًا في الخارج. ولا أعرفه. وأريده. هذه من أقدم الصور التي بقيت في رأسي. ولا أريد أن أدّعي أنني أتذكر تلك السنوات يومًا بيوم. كنت صغيرًا، وذاكرة الرابعة والخامسة لا تُوثَّق بقدر ما تُروى. تذهب منها سنوات وتبقى لحظة، يضيع منها يوم كامل ويبقى وجه، أو صوت، أو ألم، أو شباك وقف عنده طفل يريد أن يتنفس. وبقي عندي من تلك السنوات شعور واضح: أن العالم في الخارج، وأنا في الداخل.

وكان أبي جزءًا من ذلك العالم الأول. كنت أعيش معه، لكن وجود الأب في البيت شيء، والصورة التي يصنعها الطفل لأبيه شيء آخر. كنت أريد منه أشياء بسيطة جدًا. أن يضع يده على رأسي بلا سبب. أن يسألني عن يومي وينتظر الجواب. أن يبتسم لي حين يراني. أن يضحك من شيء أقوله، حتى لو لم يكن يستحق الضحك. أشياء صغيرة. والله ما طلبت أكثر منها. لم أكن أريد أبًا يصنع لي المعجزات. كنت أريد أن أشعر أنني ابنه. أن أطمئن إذا اقترب مني. أن أذهب إليه إذا ناداني، لا أن أفكر أولًا: لماذا يناديني؟

وهكذا، حتى وأنا أعيش معه، بدأت أصنع في خيالي أبًا آخر من الأشياء التي كنت أحتاجها. لم أكن أعرف أنني أفعل ذلك. فالطفل لا يقول: أبي الحقيقي مختلف، ولذلك سأصنع أبًا في خيالي. هو فقط يتمنى. ومع الوقت تصبح أمنيته صورة. وتصبح الصورة عنده حقيقية. ثم بدأت الدراسة. كانت بدايتي الدراسية الأولى في الرياض. ولا أذكر المدرسة فقط باعتبارها مكانًا بدأت فيه القراءة والكتابة. كانت بالنسبة إليّ شيئًا آخر أيضًا: كانت خروجًا. لأول مرة صار للخارج طريق أعرفه. أخرج من البيت. أذهب إلى المدرسة. ثم أعود. صار هناك هواء لا يفصلني عنه شباك، وطريق أمشي فيه، وباب أدخله ثم أخرج منه.

بدأ العالم يتسع أمامي قليلًا. لكن في الوقت نفسه الذي بدأ فيه العالم الخارجي يتسع، بدأت صورة أبي الحقيقية تتضح أمامي. لم يحدث ذلك في يوم واحد. لا أتذكر لحظة واحدة أستطيع أن أقول عندها: هنا عرفت أبي. الأمر لم يكن بهذه البساطة. تجمعت الصورة قطعة قطعة. نبرة صوت. نظرة. غضب. يد ترتفع. وصوت باب يجعل جسدي ينتبه قبل أن أفهم لماذا. كنت طفلًا كثير الحركة. أتحرك، وأسأل، وأعبث، وقد أتأخر في تنفيذ ما يُطلب مني. لم أكن أرى في ذلك شيئًا أكبر من كوني طفلًا. أما أبي، فكان سريع الغضب، مرتفع الصوت، شديدًا في تعامله، وكانت يداه في أحيان كثيرة أسرع من كلماته.

وبدأت أتعلم مبكرًا كيف أقرأ وجهه. لم يكن أحد قد علمني ذلك. تعلمته لأنني كنت أحتاج إليه. أنظر إلى وجه أبي حين يدخل، فأحاول أن أعرف قبل أن يتكلم: هل هو غاضب؟ أنتبه إلى نبرة صوته من الغرفة الأخرى. أصغي إلى خطواته. وأتعلم من وقعها هل أبقى في مكاني أم أبتعد. كان البيت نفسه يتغير حين يغضب. لم أكن أعرف كلمة «عنف». ولا «سيطرة». ولا أي كلمة من الكلمات التي يعرفها الإنسان عندما يكبر ويحاول أن يفسر ما عاشه. كنت طفلًا. والطفل لا يحتاج إلى اسم للخوف حتى يخاف. كان يعرفه جسدي.

فإذا سمعت خطوات أبي تقترب مني في وقت أشعر فيه أن شيئًا قد يحدث، كنت أذهب إلى فراشي، وأطفئ النور، وأتظاهر بالنوم. لم أكن أنام. كنت أختبئ. وهكذا، شيئًا فشيئًا، بدأ الرجل الموجود أمامي يأخذ مكان الرجل الذي كنت أصنعه في خيالي. لكن الرجل الآخر لم يختفِ. وهذا شيء لم أفهمه إلا بعدما كبرت. فالطفل لا يتوقف بسهولة عن انتظار أبيه، حتى لو خاف منه. بل يبدأ غالبًا بالبحث عن الخطأ في نفسه. ربما لو كنت أكثر هدوءًا. ربما لو نفذت الكلام أسرع. ربما لو لم أخطئ. ربما لو أطعت أكثر. لم أكن أقول لنفسي هذه الكلمات كما أقولها اليوم، لكنني عشتها.

بدأت أعرف مزاج أبي قبل أن أعرف ماذا أريد أنا. ثم جاءت واقعة بقيت في ذاكرتي أوضح من أشياء كثيرة حدثت بعدها. كنت في الخامسة أو السادسة تقريبًا. وضعت إصبعي في أنفي. حركة طفل لا أكثر. طلب مني أبي أن أتوقف. توقفت، أو لعلي تأخرت لحظة، أو حركت يدي بتردد. لا أستطيع بعد كل هذه السنوات أن أجزم بتلك الثانية، ولا أريد أن أضع في ذاكرتي ما لم يبقَ فيها. لكنني أعرف جيدًا ما حدث بعدها. أمسك أبي يدي. قرّبها من فمه. ثم عضّ إصبعي. لم تكن عضّة مزاح. ضغط بأسنانه بقوة حتى شعرت بسن تدخل في لحم إصبعي.

وما زلت، حتى اليوم، أستطيع أن أستحضر تلك اللحظة بدقة غريبة. أتذكر البرودة التي سرت في يدي قبل الألم. ثم الألم نفسه. حادًا. مفاجئًا. أكبر من الشيء الذي فعلته. لكن أكثر ما بقي من تلك اللحظة لم يكن الألم. كان وجه أبي. هذا ما لم أنسه. نظرت إليه، فرأيت وجهًا أخافني. لم أقل يومها: هذا عقاب لا يناسب الخطأ. ولم أقل: الأب لا ينبغي أن يفعل ذلك بابنه. لم أكن أعرف مثل هذه الجمل. كنت في الخامسة أو السادسة. كنت فقط أنظر إلى وجه الرجل الذي أمامي، وأشعر للمرة الأولى بوضوح لم أعرف كيف أشرحه أن هذا الرجل ليس الأب الذي صنعته في خيالي.

فهمت ذلك بجسدي قبل أن أفهمه بعقلي. لم أبكِ في اللحظة الأولى. كان الألم أكبر من أن يخرج بكاءً. ثم بكيت. وجاءت أمي. رأت إصبعي، وحاولت أن تهدئني. وفي الليل، بعدما هدأ البيت، جاءت إلى فراشي وبيدها قليل من الزبد. وضعته على إصبعي المجروح. وقالت: «اصبر يا ابني… اصبر.» ثم قبّلت رأسي. لا أنسى يد أمي في تلك الليلة. ولا أنسى المفارقة التي لم أكن أملك عمرًا يكفي لأفهمها: يدي نفسها عرفت في يوم واحد قسوة أبي وحنان أمي. لم يكن الزبد هو الذي بقي في ذاكرتي. بقي أن أحدًا رأى ألمي.

أن أمي عرفت أن إصبعي يؤلمني، وجاءت إليّ بعدما هدأ البيت. لكن عضّة الإصبع لم تكن نهاية شيء. كانت بداية معرفة. بعدها تكرر الضرب. مرة بسبب صوت. ومرة بسبب تأخر. ومرة بسبب حركة لم تعجبه. وأسباب أخرى كان بعضها، في عقل طفل، أصغر كثيرًا من العقوبة التي تأتي بعده. كنت أُضرب. أبكي. وأتوسل. ومع كثرة الضرب وتكراره، كنت أصل أحيانًا إلى مرحلة لا يعود فيها جسدي يستجيب كما يريد. وأذكر أن أبي كان يتوقف أحيانًا وينظر إليّ ويسأل: «لماذا لا تبكي؟» لم أكن أعرف كيف أجيبه. كيف يستطيع طفل أن يقول لرجل كبير إن البكاء نفسه يمكن أن يتعب؟

وأن الألم إذا تكرر كثيرًا لا يبقى دائمًا صراخًا؟ أحيانًا يصبح صمتًا. وكانت أمي ترى. كانت تبكي من أجلي أحيانًا وتتألم، لكنها كانت تعيش هي الأخرى تحت سلطته، ولم تكن تملك دائمًا القدرة على إيقافه. ولذلك لم يكن الخوف خوفي وحدي. كان البيت يعرفه. ولا أريد، وأنا أكتب قصتي اليوم، أن أختصر أبي في صورة واحدة؛ لأنني إن فعلت فلن أكون أمينًا مع ما عشته. كان يعمل. وكان مسؤولًا عن بيته. ولم يكن رجل سهر ولهو. هذه حقيقة. والحقيقة أيضًا أنني كنت أخافه. والطفل لا يعرف كيف يجمع هاتين الحقيقتين.

كيف يمكن للرجل نفسه أن يكون مسؤولًا عن البيت، ثم يسمع ابنه خطواته فيذهب ليتظاهر بالنوم؟ كيف يستطيع الطفل أن يحب أباه ويخافه في الوقت نفسه؟ لم أعرف الجواب. فعلت الشيء الوحيد الذي يعرفه الطفل: ظللت أحبه. وظللت أنتظر. وظللت أبحث في الرجل الحقيقي عن الرجل الذي صنعته في خيالي. عن كلمة طيبة. عن نظرة رضا. عن ابتسامة أشعر أنها لي. ولم أكن أعرف أن هذا البحث سيكبر معي. وأنني بعد ذلك سأحاول أن أصل إلى أبي بطرق أخرى: في المدرسة، ثم في العمل، ثم في التجارة، ثم في المال والنجاح. كلما كبرت، تغيرت الأشياء التي أضعها أمامه.

لكن الطفل الذي يضعها لم يتغير بسرعة. كان يريد شيئًا واحدًا: أن يراه أبوه. وهكذا، إذا أردت أن أعرف أين بدأت حكايتي فعلًا، فلا تبدأ من الذهب، ولا من المال، ولا من السجن، ولا من كل ما حدث بعد ذلك. بدأت في الرياض. بطفل خلف باب مغلق. يقترب من الشباك ليشم قليلًا من الهواء. ويبحث، داخل البيت نفسه، عن أبٍ يشعر معه بالأمان.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل الثاني
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الأول · لم أكن الخادم2,124 كلمة · نحو 12 دقيقة

الفصل الثاني

عصا لا تنكسر

ألوان القراءة
حجم النص

انتقلنا بعد ذلك إلى جدة. وكنت قد دخلت الصف الثالث الابتدائي. وكان يوم الجمعة، عند الأطفال من حولي، يومًا ينتظرونه؛ يوم راحة ولعب ونوم أطول. أما أنا فكنت أخافه قبل أن يأتي. كان أبغض أيام الأسبوع إليّ، حتى إن أسعد أيامي كانت السبت والأحد، على عكس كل الأطفال تقريبًا. لم يكن في السبت شيء أجمل من أنه أبعد يوم عن الجمعة. كنت أصحو وأنا أشعر أنني نجوت منها للتو، وأن أمامي أيامًا كثيرة قبل أن تعود. ثم يأتي الأحد، وما زالت بعيدة، فأشعر بشيء من الراحة. وبعد ذلك تبدأ الأيام تضيق حولي واحدًا بعد الآخر.

كنت حتى وأنا أضع رأسي على الوسادة أحسب: كم بقي؟ الاثنين… ثم الثلاثاء… ثم الأربعاء. وكلما اقتربت الجمعة، كان شيء في بطني يشتد. لم أكن أعرف ما اسمه. كنت طفلًا، وكل ما أعرفه أن معدتي تنقبض، وأن النوم لا يعود هادئًا، وأنني أتمنى قبل أن أغلق عيني أن أصحو فأجد الأيام لم تتحرك. كنت أريد للسبت أن يطول، وللأحد أن يبقى، أما الخميس فكنت أشعر معه أنني وصلت إلى آخر الطريق، وأن ما أخشاه أصبح على بعد ساعات. وطوال بقية الأسبوع كنت قد تعلمت حيلتي الصغيرة في النجاة من أبي: ألا يراني قدر الإمكان.

كنت أعرف تقريبًا متى يعود، فإذا اقترب موعد دخوله البيت أسرعت إلى فراشي. أستلقي، أغمض عيني، وأتظاهر بالنوم. أحيانًا أنام فعلًا من شدة خوفي وتوتري، وأحيانًا أبقى تحت الغطاء أسمع صوته وحركته في البيت وأحاول ألا أتحرك. كنت أظن، بعقل طفل، أنني إذا لم أقع أمام عينيه فقد يمر ذلك اليوم بسلام. لا سؤال، لا ملاحظة، لا شيء يلفت انتباهه إليّ، ولا مشكلة تبدأ من سبب لم أكن أعرفه أصلًا. كنت أختبئ بالنوم. صار الفراش بالنسبة إليّ مكانًا أختفي فيه، لا مكانًا أنام فيه فقط. أسمع خطواته وأبقى ساكنًا. أحيانًا أشعر أن قلبي نفسه صوته عالٍ، فأخاف أن يسمعه.

لا أريد أن يناديني. لا أريد أن يقول: «تعال». كانت كلمة واحدة منه تكفي لتسحب الطمأنينة من جسدي كله. لكن الجمعة لم يكن فيها فراش أختبئ فيه. الجمعة كان لا مفر منها. مهما نجحت طوال الأسبوع في ألا يراني، كنت أعرف أن الجمعة ستضعني أمامه. الحفظ موجود، والأسئلة موجودة، وباب مكة موجود، والعصا موجودة. وفي داخلي كان هناك يقين طفل مؤلم لا يحتاج إلى دليل: الضرب آتٍ. إن لم يكن لهذا السبب فسيكون لسبب آخر. كنت أعيش اليوم وأنا لا أسأل نفسي: هل سيضربني؟ بل: متى سيحدث؟ وهذا هو ما جعل الجمعة مختلفة عن بقية الأيام.

في بقية الأسبوع كان عندي وهم صغير أتشبث به: ربما أستطيع أن أتفاداه. ربما أنام قبل أن يراني. ربما يمر المساء. أما الجمعة فلا مكان للاختباء. وكان يوم الجمعة يسير في طريق أعرفه جيدًا: حفظ، ثم أبي، ثم الصلاة، ثم باب مكة. وكان اسم «باب مكة» وحده يعيد العقدة إلى بطني. هناك كانت العصي. أعواد بأحجام مختلفة، وأنا أسير إلى جوار أبي ولا أرى السوق كما يراه الناس. لم تكن عيناي تذهبان إلى الدكاكين ولا إلى المارة، بل إلى يده. أي واحدة سيلمس؟ أي واحدة سيختار؟ وأي واحدة ستعود معنا إلى البيت؟

وفي بعض المرات كان يلتفت إليّ ويسألني: «اختر… ماذا تختار؟» كنت أنظر إليه، ثم إلى العصي، ثم أخفض عيني. ماذا يختار طفل من بين الأشياء التي يخاف أن تُضرب بها يداه وجسده؟ كنت أتلعثم. لا أعرف ماذا أقول. كنت أخاف أن أختار، وأخاف أيضًا ألا أختار. أشعر بحرارة في وجهي، وأتمنى لو أن أحدًا لا يسمع السؤال. أريد أن أنظر إلى الأرض فقط. ولو كان بوسعي يومها أن أختار فعلًا، لما اخترت عصا. كنت سأختار أن أعود إلى البيت من دون واحدة. وكان لأبي رجل يتعامل معه ويشتري منه العصي بالجملة.

وبعد فترة قال له أبي إن العصي التي يأخذها منه تتكسر، وإنه يريد عصًا لا تتكسر. توقفت هذه الجملة في رأسي. «أريد عصًا لا تتكسر». قال له الرجل إنه سيأتيه بعصا خيل. ثم سأله: «عندكم حصان؟» قال أبي: «نعم»، وهو ينظر إليّ. ثم جاء الكلام عن الحمير. كنت واقفًا بجانبهما، صغيرًا لا أعرف ماذا أفعل بنفسي. لم أفهم الكلام كما أفهمه اليوم، لكنني فهمت النظرة. شعرت بالخجل يصعد إلى وجهي. أردت أن أختفي. تلعثمت، ولم أعرف أين أضع عيني. كنت أشعر أنني أنا المقصود بشيء لا أستطيع حتى الدفاع عن نفسي منه.

رجل كبير يسأل، وأبي يجيب وينظر إليّ، وأنا طفل أتمنى فقط أن ينتهي الكلام. وفي المرة التالية جاءت العصا. كانت قوية جدًا، من النوع الذي يُستعمل مع الخيل والحمير لأنه لا ينكسر بسهولة. وأذكرها جيدًا. أذكر قوتها أكثر مما أذكر أشياء كثيرة من طفولتي. ربما لأن الطفل لا ينسى الشيء الذي يخافه كلما رآه. كنت أعرف أن العصي السابقة كانت تتكسر. والآن جاءت عصا لا تتكسر. لم أكن يومها أستطيع أن أصوغ السؤال الذي أستطيع أن أقوله الآن: إذا كانت العصا نفسها تتكسر، فماذا كان يحدث بجسد الطفل الذي تُكسر عليه؟ هم كانوا يبحثون عن عصا تتحمل.

وأنا كنت أتمنى فقط أن أتحمل الجمعة. ولم تكن العصا وحدها ما ينتظرني. كان أبي يطلب مني أن أحفظ كتب المدرسة حفظًا كاملًا تقريبًا: التوحيد، والفقه، والحديث، والتجويد، والعلوم، والقراءة، والأناشيد، والتوجيهات، وأحيانًا حتى الفهرس والمقدمة. كنت أجلس أمامه وأردد، لكنني لم أكن أنظر إلى الكتاب وحده. كنت أقرأ وجهه أكثر مما أقرأ الصفحة. هل تغيرت عيناه؟ هل غضب؟ هل تأخرت في الجواب؟ هل نسيت كلمة؟ كنت أعرف أن الإجابة الخاطئة ليست مجرد إجابة خاطئة. وربما لهذا أصبحت أحفظ بهذه القوة. لم أكن أحفظ كطفل يريد أن يكون الأول في الفصل؛ كنت أحفظ كطفل يعرف أن النسيان قد يؤلمه.

حتى الرياضيات لم تكن أرقامًا فقط. الدرجة السيئة كانت تسافر معي من المدرسة إلى البيت، وتتحول في رأسي طوال الطريق إلى خوف. ومع الأيام أصبحت أتعلم أبي أكثر مما أتعلم أشياء كثيرة أخرى. أتعلم صوته. خطواته. طريقة فتحه للباب. شكل وجهه حين يكون غاضبًا. وأتعلم متى أختفي، ومتى أصمت، ومتى أتظاهر بالنوم. كان الأطفال يتعلمون أيام الأسبوع بأسمائها. أما أنا فتعلمتها بمقدار بعدها عن الجمعة. السبت نجاة. الأحد أمان قصير. ثم يبدأ العد. حتى يأتي الخميس، فأعرف أن كل الحيل التي أنقذتني بقية الأسبوع انتهت. غدًا الجمعة. وغدًا لا يوجد مكان أختبئ فيه.

اليوم، وأنا رجل أقترب من الخمسين، يصعب عليّ أحيانًا أن أصف شكل جسدي في تلك السنوات. وحين أعود إليها بذاكرتي تسبقني الدموع قبل الكلمات. لم يكن جلد طفل في مثل سني ينبغي أن يحمل كل تلك العلامات. كانت آثار الضرب واضحة على ظهري وذراعي وأجزاء مختلفة من جسدي، وفي بعض المرات كان العنف يبلغ حدًا يخرج معه الدم من أكثر من موضع. ومع ذلك، لم يكن أكثر ما يشغلني أنني أتألم. كان همّي الأكبر ألا يعرف أحد. كنت أخفي جسدي بالفنايل والتيشيرتات ذات الأكمام الطويلة. لم تكن بالنسبة إليّ مجرد ملابس؛ كانت غطاءً للسر.

أسحب الكم على ذراعي وأحرص ألا يرتفع، وأراقب نفسي حتى لا يظهر شيء. كنت أخاف من السؤال أكثر مما أخاف من العلامة نفسها: «ما هذا؟» لأن سؤالًا كهذا قد يقود إلى السؤال الذي لم أكن مستعدًا للإجابة عنه: «من فعل بك هذا؟» والأغرب أنني كنت أمام الأطفال في المدرسة أفعل العكس تمامًا. أتكلم عن أبي كثيرًا، وأبالغ في وصف محبته لي ودلاله لي، وأقول أشياء لم يسألني عنها أحد أصلًا. أقول: أبي يحبني، أبي يدللني، أبي يفعل لي كذا وكذا. أتكلم وأثرثر وكأنني أحاول أن أبني أمامهم أبًا آخر غير الذي أعرفه في البيت. ربما كنت أدافع عنه.

وربما كنت أدافع عن نفسي. كنت أخجل أن يعرف طفل آخر أن أبي يضربني بهذه الطريقة، وكأن اعترافي بذلك سيجعل العيب فيّ أنا. كنت أخشى أن يظنوا أنني ولد سيئ أو عاق، وأنني لا بد أنني فعلت شيئًا أستحق عليه كل ذلك. لذلك كنت أصنع أمام الناس صورة جميلة، ثم أعود فأخفي الحقيقة تحت أكمامي الطويلة. ومن أكثر الأشياء التي كانت تجلب لي الرعب التقارير المدرسية الشهرية. كنت أستطيع أن أحفظ معظم المواد: التوحيد والفقه والحديث والتجويد والعلوم والقراءة والأناشيد والتوجيهات. أما الرياضيات فكانت مختلفة. الرياضيات لا تستجيب للحفظ بالطريقة نفسها، ولهذا كنت أحيانًا أحصل فيها على درجة ضعيفة أو مقبولة.

وكان الطفل الآخر يرى في التقرير أرقامًا. أما أنا فكنت أرى العقوبة. كنت أمسك الورقة وأنظر إلى درجة الرياضيات، ولا أفكر: كيف أحسن مستواي؟ بل أفكر: ماذا سيفعل بي أبي عندما يرى هذه الدرجة؟ كان الرقم الصغير على الورقة يكبر في رأسي حتى يصبح عصًا. ومن شدة خوفي بدأت أبحث عن طريقة لتغيير التقرير. كنت صغيرًا، لا أعرف شيئًا عن التزوير ولا أفهم معنى الكلمة أصلًا. كل ما كنت أعرفه أن هذا الرقم سيجلب لي الضرب، وأنني أريد أن أجعله رقمًا آخر قبل أن يصل التقرير إلى يد أبي. فكنت أحاول بطريقتي الطفولية أن أعدل الدرجة.

لكنني لم أكن أعرف كيف. فينكشف الأمر. وحين اكتشف أبي ما أفعله، لم يعد يصفني بالكذاب فقط. أضاف كلمة جديدة: «مزور». وهكذا صار الطفل الذي غيّر رقمًا خوفًا من الضرب متهمًا بالكذب والتزوير، ثم يُضرب لأنه حاول أن يهرب من الضرب. كانت دائرة لا أعرف كيف أخرج منها. أخاف من العقوبة فأكذب. ثم أُعاقب لأنني كذبت. أحاول أن أخفي الدرجة فأُتهم بالتزوير. ثم يأتي الضرب من جديد. وأقولها اليوم وأنا في هذا العمر: ما أتذكره من ذلك الضرب لم يكن تأديبًا كما يمكن أن يتخيل البعض، ولا صفعة غضب وتنتهي.

كان عنفًا يجعلني أحيانًا أشعر وكأن الرجل الذي أمامي لا يضرب ابنه، بل يضرب عدوًا يريد أن ينتقم منه. كان يستمر حتى أصل إلى مرحلة لا أعرف فيها أي جزء من جسدي يؤلمني. حين يصبح الألم كثيرًا جدًا، لا تستطيع أن تشير إلى مكان وتقول: هنا يؤلمني. يصبح الجسد كله هو المكان. وكلما كبرت ازداد عجبي مما استطاع ذلك الطفل أن يحتمله. بل أقول أحيانًا إن مقدار الضرب الذي أتذكره يصعب عليّ اليوم أن أتخيل إنسانًا بالغًا يتحمله. فكيف بجسد طفل؟ ولا أدري هل يتذكر أبي اليوم تلك الأيام كما أتذكرها أنا. ربما مضت عليه مثل أيام كثيرة وانتهت.

أما عندي فلم تنتهِ بالطريقة نفسها. بقيت بعض المشاهد في ذاكرتي حادة بصورة عجيبة؛ تقرير في يدي، درجة رياضيات، خوف في بطني، ثم ما أعرف أنه سيأتي بعد ذلك. ولهذا كنت أرتدي الأكمام الطويلة. لم أكن أخفي كدمة واحدة. كنت أخفي حياة كاملة. وفي أحد الأيام، كان الضرب قد ترك آثارًا لم تستطع الملابس أن تخفيها جيدًا. لاحظ أحد المدرسين شيئًا على جسدي. دعاني إليه، ثم بدأ ينظر إليّ بطريقة جعلتني أعرف أن شيئًا انكشف. اقترب أكثر. ورأى. وفي لحظات وجدت نفسي أسير معه إلى مدير المدرسة. لم أكن أفهم ما يحدث. بدأت أرى المدرسين يحضرون واحدًا بعد الآخر.

وجوه كثيرة تنظر إليّ، وهم يتحدثون فيما بينهم، وأنا طفل واقف وسطهم لا أعرف لماذا أصبح الجميع فجأة مهتمًا بجسدي. ثم أخذوني إلى غرفة وطلبوا مني أن أخلع ملابسي. خفت. رفضت. لم أفهم لماذا يريد هؤلاء الرجال مني أن أخلع ملابسي أمامهم. حاولت أن أمنعهم وأنا أبكي وأقاوم، لكنهم كشفوا ما كنت أخفيه. وفي تلك اللحظة تكلم جسدي بدلًا مني. ظهرت الآثار على ظهري. وعلى ذراعي. وعلى بقية جسدي. كل ما خبأته تحت الملابس خرج إلى النور دفعة واحدة. وأذكر اضطراب المكان من حولي. مدرسون يدخلون ويخرجون، نظرات تتغير، كلام لا أفهمه.

وأنا ما زلت لا أعرف ماذا فعلت حتى يحدث كل هذا. ثم لم تمضِ سوى مدة قصيرة حتى رأيت الشرطة تدخل المدرسة. وهنا ازداد خوفي أكثر. لم أفهم أنهم ربما جاؤوا من أجل حمايتي. كنت طفلًا، والشرطة في ذهني تعني أن هناك مصيبة وأن شخصًا ما سيُؤخذ أو سيُعاقب. بدأوا يسألونني: «من فعل بك هذا؟» «ماذا حصل لك؟» وكان الجواب الحقيقي في داخلي. لكنني لم أقله. كذبت. قلت مرة إنني سقطت من فوق سور. ثم تغيرت القصة. ثم اخترعت شيئًا آخر. وكلما سألوني سؤالًا جديدًا صنعت إجابة جديدة، حتى أصبحت قصصي نفسها لا تتفق مع بعضها.

لم أكن كاذبًا ماهرًا. كنت طفلًا مذعورًا. حاولوا الاتصال بأبي، وكنت أترجاهم ألا يفعلوا. لم أكن أريد أن يصل الخبر إليه. لم أكن أتصور ماذا سيحدث بعد ذلك لو عرف أنني كنت سببًا في حضور الشرطة إلى المدرسة. وكان هناك مرشد طيب، رأى الخوف في وجهي. هدأني وقال لهم ألا يتصلوا في تلك اللحظة، ثم جلس معي وقال لي إنه لن يتصل بأبي، لكنه يريد مني أن أخبره بالحقيقة. ومع ذلك، لم أستطع. بدأت أختلق على نفسي أخطاء كبيرة. أقول إنني فعلت أشياء سيئة، وأضع لنفسي ذنوبًا لا تناسب حتى عقل طفل في مثل عمري.

كنت أحاول أن أعطيهم سببًا يجعل ما فعله أبي مقبولًا. كأنني أقول لهم: لا تلوموه. أنا السبب. أنا الذي فعلت شيئًا سيئًا. وظللت أتهرب من إحضار أبي حتى فهم المدرس أنني لا أريد ذلك، ثم كنت أقول له إن أبي توقف عن ضربي. واليوم، حين أتذكر ذلك الطفل، يؤلمني هذا المشهد أكثر من أشياء كثيرة: جسده كله أمام مجموعة من الكبار يشهد بما حدث، ومع ذلك كان هو نفسه يحاول الدفاع عن الرجل الذي فعل به ذلك. كان يخفي الجريمة ويضع التهمة على نفسه. قالوا عني: «كذاب». وقال أبي عني: «مزور».

لكن أحدًا لم يسأل وقتها: لماذا يحتاج طفل في هذا العمر إلى أن يكذب بكل هذه القوة؟ لماذا يغيّر درجته؟ لماذا يخفي ذراعيه؟ لماذا يخترع قصة سقوط من سور وجسده يقول شيئًا آخر؟ لماذا يترجى الشرطة ألا تتصل بأبيه بدل أن يطلب منهم حمايته منه؟ احتجت سنوات طويلة حتى أفهم الإجابة. كنت أكذب لأن الحقيقة، في عالمي الصغير، كانت لها عواقب. أكذب في التقرير حتى أنجو من الضرب. وأكذب بعد الضرب حتى لا يعرف الناس. وأكذب على المدرس حتى أحمي صورة أبي. وأكذب أمام الشرطة لأنني أخاف مما سيحدث إن قلت الحقيقة. كنت أكذب هنا لأنجو هناك، وأكذب هناك حتى أعود إلى هنا حيًا بأقل قدر ممكن من الألم. لم يكن الكذب عندي طريقًا للحصول على شيء. كان طريقًا للهروب من شيء. كنت أكذب لأنجو.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل الثالث
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الأول · لم أكن الخادم669 كلمة · نحو 4 دقائق

الفصل الثالث

ثمانية ريالات

ألوان القراءة
حجم النص

كان تحت بيتنا محل بقالة صغير، وكنا نحن الطلاب نمر عليه كل يوم تقريبًا ونحن عائدون من المدرسة، بحقائبنا على ظهورنا وضجيجنا الطفولي المعتاد. وكان صاحب البقالة يعرف أطفال الحي، ويرانا كل يوم نتوقف عند دكانه وننظر إلى الحلوى والعصائر وما على الرفوف. كنت أرى الأطفال يأخذون منه أشياء، وكان يقول لهم: «خذوا، أسجلها على الحساب.» لم أكن أعرف ما معنى «على الحساب». كنت طفلًا. وكل ما كنت أفهمه أن الأطفال يأخذون، وأن الرجل نفسه يسمح لهم بذلك. لم أفهم أن هناك دينًا سيُكتب، ولا أن أحدًا سيأتي لاحقًا ليطالب به، ولا أن هذه الكلمة البسيطة يمكن أن تصل إلى أبي.

ومع الوقت بدأت أفعل مثلهم. أدخل، أنظر إلى شيء يعجبني، فيقول لي صاحب البقالة: «خذ، لا عليك.» فآخذ. لم أكن أشعر أنني أسرق. لم أخفِ عنه شيئًا، ولم أمد يدي خلسة. هو كان يراني ويشجعني، وأنا كنت أفعل ما أراه من بقية الأطفال. حتى أصبحت القيمة في إحدى المرات ثمانية ريالات. ثمانية ريالات فقط. لكن عندما عرف أبي، لم تعد ثمانية ريالات. تحولت إلى كارثة. أتذكر كيف أمسك بي وربط يدي خلف ظهري حتى لا أستطيع الحركة، وحتى لا أستطيع أن أرفع يدي لأحمي وجهي أو جسدي. ثم بدأ يضربني بالسلك. كان الضرب في كل مكان.

في جسدي. في رأسي. في وجهي. كنت أبكي وأتوسل وأقول إنني لن أفعلها مرة أخرى، وأحاول أن أشرح أن صاحب البقالة هو الذي قال لي خذ، وأن الأطفال كلهم كانوا يأخذون، وأنني لم أفهم أصلًا معنى الحساب. لكن الكلمات لم تكن توقف شيئًا. واصل الضرب حتى تورمت عيني، وورم وجهي، وانتشرت الآثار على جسدي ورأسي وفي أماكن كثيرة مني. وصل بي الضرب إلى درجة غريبة لم أفهمها يومها: لم أعد أشعر بالألم كما كنت أشعر به في البداية. كأن الجسد نفسه استسلم. في البداية كنت أعرف أين تؤلمني كل ضربة، ثم بعد ذلك اختلط كل شيء.

لم يعد هناك مكان واحد أقول: «هذا يؤلمني». صار جسدي كله شيئًا واحدًا، والضرب مستمر فوقه. والشيء الذي بقي في ذاكرتي حتى اليوم أن أبي نفسه بدأ يتعب. كنت أنظر إليه وأنا مربوط اليدين، وأرى عليه الإرهاق من كثرة ما ضربني. تعب هو. أما أنا، فقد وصلت إلى مرحلة لم أعد أشعر فيها بما يقع عليّ بالطريقة نفسها. واستمر حتى توقف هو. ليس لأن بكائي أوقفه. ولا لأن توسلي أوقفه. ولا لأن جسدي لم يعد يحتمل. توقف عندما تعب. بعد ذلك أعطاني الريالات الثمانية نفسها وطلب مني أن أنزل وأعيدها إلى صاحب البقالة. نظرت إلى المال في يدي.

ثمانية ريالات كما هي. لم يتغير فيها شيء. أما أنا فلم أكن كما كنت قبلها. نزلت الدرج بوجهي المتورم وعيني التي تغير شكلها وآثار الضرب على جسدي. لم أكن أفكر في المال. كنت أفكر فقط في ألا يراني أحد. كنت أشعر بالخجل، وأشعر أن كل من ينظر إليّ سيعرف أن شيئًا حدث. دخلت البقالة. ورآني صاحبها. لم يحتج إلى أن يسأل طويلًا. رأى وجهي. رأى عيني المتورمة. رأى ما فعله الضرب بي. ثم أمسك يدي ورفعها، فرأى الآثار على جسدي. عندها فهم. رأى بعينيه إلى أين وصلت تلك الريالات الثمانية.

وأنا، وأنا ما زلت طفلًا تحت أثر ما حدث، لم أستطع أن أمنع نفسي من لومه. قلت له: «لماذا قلت لأبي؟» ثم قلت له، بما يستطيع طفل أن يقوله في تلك اللحظة: «أنت قلت لي خذ.» كنت غاضبًا منه ومجروحًا في الوقت نفسه. لم أفهم لماذا يشجعني أمام الأطفال، ويقول لي خذ ولا عليك، ثم يصل الأمر إلى أبي ويحدث بي كل هذا. نظر إليّ. وبكى. لم يكن يبكي على ثمانية ريالات. كان يبكي وهو يرى ثمنها أمامه. وجه طفل متورم. عين منتفخة. وجسد يحمل آثار الضرب.

وربما في تلك اللحظة فقط فهم أن كلمة بسيطة قالها لطفل: «خذ، أسجلها على الحساب»، لم تكن بسيطة في البيت الذي كنت أعيش فيه. أما أنا، فلم أكن أفكر بكل هذا. كنت أفكر بشيء واحد فقط: لماذا قلت له؟ لماذا لم تخبرني أن أبي سيعرف؟ لو كنت أعرف، لما أخذت شيئًا. مرت سنوات كثيرة، وتعاملت بعد ذلك مع أموال أكبر من أن يقارن بها ذلك المبلغ، لكنني لم أنس الريالات الثمانية. لم أنسها لأن قيمتها كانت كبيرة. بل لأن الثمن الذي دُفع بسببها لم يكن ثمانية ريالات. كان وجهي. وكان جسدي. وكان طفلًا ظل يُضرب حتى تعب الرجل الذي كان يضربه.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل الرابع
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الأول · لم أكن الخادم470 كلمة · نحو 3 دقائق

الفصل الرابع

لم أولد كذابًا

ألوان القراءة
حجم النص

من شدة الخوف، تعلمت الكذب. كنت طفلًا في الخامسة أو السادسة أو السابعة. وفي هذه السن لا يكون الإنسان مشروع كاذب ولا مزور؛ يكون طفلًا بريئًا يتعلم العالم من الكبار الذين حوله. يتعلم منهم ما هو آمن وما هو خطر، ومتى يتكلم ومتى يصمت. وأنا تعلمت مبكرًا أن الحقيقة، في بيتي، قد يكون لها ثمن. إذا قلت إنني أخطأت، قد أُضرب. إذا عدت بدرجة ضعيفة، قد أُضرب. وإذا رأى أحد آثار الضرب وسألني عنها، أصبحت الحقيقة نفسها شيئًا أخاف أن أقوله. فبدأ عقلي الصغير يتعلم ما يتعلمه أي إنسان يعيش طويلًا تحت التهديد: البحث عن مخرج قبل وصول الخطر.

مرة أقول إنني سقطت. مرة أختلق عذرًا. مرة أحاول تغيير درجة في التقرير. ومرة أجهز القصة قبل أن يسألني أحد. لم أكن أكذب لأربح. كنت أكذب لأقلل الألم. وهذا فرق لم يفهمه أحد يومها. وكان أبي قد أعطاني بسبب ذلك اسمين ظلا معي سنوات: «الكذاب» و«المزور». لكن عندما كبرت أكثر، وعرفت من حياة أبي أشياء لم أكن أعرفها وأنا طفل، انقلب السؤال كله داخلي. إذا كان الكذاب هو من يغير الحقيقة، فمن كان الكذاب فعلًا؟ أنا الطفل الذي اخترع قصة حتى لا يُضرب؟ أم الرجل البالغ الذي عشت معه أكاذيب كثيرة، بعضها تعلق بأمور مصيرية في حياتنا؟

وإذا كان المزور هو من يغير هوية أو حقيقة بقصد واعٍ، فمن كان المزور؟ أنا، الطفل الذي حاول تغيير رقم في شهادة مدرسية خوفًا من العصا؟ أم الرجل البالغ الذي عرفت لاحقًا أنه دخل البلد باسم غير اسمه الحقيقي؟ هنا تتغير الكلمات كلها. أنا لا أنكر أنني كذبت. ولا أنكر أنني حاولت تعديل درجاتي. لكنني أعرف اليوم لماذا فعل الطفل ذلك. الخوف كان قبلي. والعقوبة كانت قبلي. والكذب جاء بعدهما. أما الكذب الذي يغير أسماءً وهويات وحقائق مصيرية، فذلك شيء آخر تمامًا. هناك فرق بين طفل يغير رقمًا لأنه يرتجف، وبين بالغ يغير حقيقة وهو يعرف ماذا يفعل.

ومع ذلك، حمل الطفل الاسم. وظل البالغ هو الذي يمنح الأسماء. هذه هي المفارقة التي احتجت نصف عمر تقريبًا حتى أراها. كنت أخفي جسدي، وأدافع عن أبي، وأقول للناس إنه يحبني ويدللني، وأختلق لنفسي أخطاءً أكبر من عمري حتى لا أقول إن أبي هو الذي فعل بي ما يرونه. حتى وأنا الضحية، كنت أضع التهمة على نفسي. ولذلك، حين أنظر اليوم إلى ذلك الطفل، لا أراه كذابًا. أراه طفلًا خائفًا تعلّم أن الحقيقة لا تحميه. ولا أراه مزورًا. أراه طفلًا حاول تغيير رقم لأنه عرف أن الرقم قد يتحول إلى سلك وعصا ودم.

بعض المعلمين فهموا ما وراء صمتي، وحاول بعضهم مساعدتي بطريقته. أذكر معلمًا كان يمنحني درجات إضافية لا أستحقها كاملة، فقط حتى لا أعود إلى البيت بورقة سيئة تفتح باب عقوبة جديدة. لم يقل لي يومًا إنه يفعل ذلك من أجلي، لكنني كنت أعرف. قال أبي: كذاب. وقال: مزور. أما أنا فأقول اليوم شيئًا واحدًا: لم أولد كذابًا. تعلمت الكذب لأنني كنت أحاول أن أنجو. والسؤال الذي بقي بعد كل هذه السنوات ليس: لماذا كذب الطفل؟ بل: من جعل الحقيقة مخيفة إلى هذا الحد؟

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل الخامس
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الأول · لم أكن الخادم1,502 كلمة · نحو 8 دقائق

الفصل الخامس

اليد الأخرى

ألوان القراءة
حجم النص

ثم جاء إخوة أصغر مني، ومعهم رأيت في أبي شيئًا لم أكن أعرف أنه موجود. كان أحدهم طفلًا جميل الشعر، رقيق الملامح، هو الفتى الذهبي والملك عند أبي. تعلّق به أبي منذ صغره تعلقًا ظاهرًا لا يحتاج إلى تفسير. كان يحمله على كتفيه، ويأخذه معه إلى السوق، ويمسك بيده، ويهتم بلباسه. وفي إحدى المرات أحضر رسامًا ليرسم له صورة كبيرة، ثم علّقها في مكان بارز من البيت. كنت أرى ذلك كله. ولا أعرف لماذا بقيت في ذاكرتي، فوق تفاصيل كثيرة، حقيقة واحدة: أبي كان يضحك معه. لم تكن ضحكة المجالس التي يراها الناس ثم تنتهي.

كانت ضحكة أب لابنه. وقفت أمام ذلك المشهد كأنني أتعرف إلى رجل آخر. إذن أبي يعرف أن يضحك. يعرف أن يحمل طفلًا. يعرف أن يمسك يده. ويعرف أن يخاف عليه. هذه كانت المفاجأة. لم يكن أبي عاجزًا عن الحنان. كان يعرفه. رأيته بعيني. وهذا هو الذي أوجعني. ذلك الأخ لم يتعرض من أبي يومًا لضربة واحدة مما كنت أتعرض له، ولا لربع ذلك الضرب. كان أبي يخاف عليه خوفًا شديدًا، وإذا آذاه أحد أو مد يده عليه، كان يغضب غضبًا يكاد يقلب به الدنيا، كأن مجرد أن يمس أحد ابنه أمر لا يمكن احتماله. وكنت أرى ذلك بعيني.

كنت أرى أبًا يحمي ابنه. ثم أنظر إلى نفسي. أنا أيضًا ابنه. لا أعرف كيف يفهم طفل هذا التناقض. كيف يرى الرجل نفسه يثور لأن يدًا امتدت إلى ابنه، بينما يعرف هو أن اليد التي يخاف منها كل يوم هي يد هذا الرجل نفسه؟ كنت أعرف العصا. وأعرف السلك. وأعرف الاختباء. وأعرف أن أسمع خطوات أبي فأفكر بسرعة: هل أبقى هنا أم أذهب إلى الفراش؟ هل أنام أم أتظاهر بالنوم؟ هل رآني؟ هل سيسأل عني؟ كنت أعرف كيف يخاف الطفل من عودة أبيه. وأخي كان يعرف كيف يحتمي بأبيه. والاثنان ابناه.

لم أكن يومها أملك سؤالًا مرتبًا، لكنني اليوم أستطيع أن أقوله نيابة عن ذلك الطفل: إذا كنت تعرف يا أبي أن ضرب ابنك يؤلمك إلى هذا الحد، فلماذا لم يؤلمك ضربي أنا؟ إذا كنت تحرق الدنيا لأن أحدًا مد يده على ابنك، فمن كان سيغضب من أجلي عندما كانت اليد يدك؟ من كان سيقول لك: كفى؟ من كان سيقول: هذا أيضًا ابنك؟ لم يكن هناك أحد. لأن الرجل الذي كان يفترض أن أهرب إليه من الخوف، كان هو الرجل الذي أهرب منه. ومع ذلك، لم أكره أخي. وأريد أن أقول هذه الحقيقة بوضوح، لأنني أعرف أن هذا الكتاب قد يصل إليه يومًا: كنت أحبه جدًا.

كان محبوبًا فعلًا، وأنا نفسي كنت واحدًا ممن أحبوه أكثر من غيرهم. لم يكن ذنبه أن أبي يحبه. ولا أن يحمله على كتفه. ولا أن يخاف عليه. ولا أن تصل إليه الضحكة بلا ثمن. ولم أتمنَّ يومًا أن يُضرب حتى نتساوى. كنت سعيدًا لأنه لم يعرف ما عرفت. لكنني كنت أريد أن أفهم شيئًا واحدًا: لماذا لم يكن في قلب أبي مكان لي أيضًا؟ ولأن الطفل لا يستطيع دائمًا أن يقول: المشكلة في أبي، فإنه يفعل شيئًا أشد قسوة. يبحث عن المشكلة في نفسه. ربما أنا الذي أتعبه. ربما أنا كثير الحركة. ربما أنا الذي أغضبه.

ربما لا أعرف كيف أكون ابنًا جيدًا. ربما لو حفظت أكثر. ولو أطعت أكثر. ولو أخطأت أقل. ربما سيعاملني كما يعامل أخي. كنت أراقب أبي معه كأنني أتعلم شيئًا لم أعرفه من قبل. هكذا يحمل الأب ابنه. هكذا يضحك له. هكذا يمسك يده. هكذا يخاف عليه. وهكذا يغضب إذا آذاه أحد. كنت أرى أمامي الأب الذي تمنيت أن أعرفه. وكان موجودًا فعلًا. لكنه لم يكن يصل إليّ. أما أنا، فكان لي اسم. كان أبي يسميني: الخادم. قالها أمام إخوتي. وأمام العائلة. وأمام الأقارب. وكررها حتى لم تعد الكلمة مجرد صوت يمر. في البداية يسمع الطفل لقبًا.

ثم يسمعه مرة أخرى. ثم يتكرر. ثم يبدأ يبحث له عن مكان داخله. الخادم. ربما هذا مكاني. ربما أنا الذي يجب أن أخدم. أن أنفذ. أن أتحمل. أن أنتظر. أن أثبت نفسي قبل أن أستحق أي شيء. بعد سنوات طويلة قرأت عن «كبش الفداء»، وقرأت عن «الطفل الذهبي». لم تعلمني الكتب طفولتي. أنا كنت قد عشتها. الكتب فقط أعطت أسماءً لما لم أعرف كيف أسميه. أما الطفل الذي كنتُه، فلم يقل: أنا كبش الفداء. وأخي الطفل الذهبي. كان يرى الأمر بطريقة أبسط: أخي يخطئ، ويظل ابنًا محبوبًا. أنا أخطئ، فيصبح الخطأ قضية. إذا مُس أخي بسوء، أبي يغضب لأجله.

إذا ضربني أبي، لا أحد يغضب لأجلي. أخي لا يحتاج كل صباح إلى أن يثبت أنه ابن. وأنا كنت أعيش وكأن بنوتي امتحان يتجدد كل يوم. ولهذا، حين أصف البيت اليوم، أراه كأنه مملكة صغيرة. أبي صاحب العرش. يكفي أن يدخل ليتغير الجو. يغضب، فيصمت الجميع. يرضى، فيشعر من رضي عنه أنه نال شيئًا ثمينًا. وكان هناك الفتى الذهبي والملك، مدللًا ومحميًا، وهو نفسه القريب من شؤون أبي وعقله. أما أنا، فالاسم الذي أعطاني إياه أبي نفسه كان: الخادم. لكنني لم أكن أريد عرشًا. ولم أنظر إلى أخي يومًا وأتمنى أن ينزل من فوق كتف أبي حتى أصعد مكانه.

والله ما أردت ذلك. كنت أريده أن يبقى هناك. محبوبًا. محميًا. كنت أريده ألا يعرف العصا التي عرفتها. كل ما أردته أن يكون هناك مكان لي بينهم. مكان ابن. فقط. لكنني بدل أن أشعر أن هذا المكان حقي، بدأت أحاول أن أكسبه. وهنا بدأت رحلة طويلة جدًا في حياتي: رحلة الإثبات. إن أطعت، ربما يرضى. إن تفوقت، ربما يفرح. إن عملت، ربما يراني. إن أصبحت شيئًا كبيرًا، ربما يتغير شيء. كبرت، وانتهت المرحلة الابتدائية، وانتقلنا إلى وادي الدواسر. في المرحلة المتوسطة كنت أدرس صباحًا وأعمل مساءً. ثم انتقلنا إلى جيزان، وقضيت هناك نحو سنتين من المرحلة الثانوية، وبعدها عدنا إلى جدة وأكملت سنة أخرى.

كانت المدن تتغير. وأنا أكبر. لكن شيئًا واحدًا بقي داخلي: أريد أن أخرج. لم أكن أريد أن أخرج من عائلتي. كنت أريد أن أخرج من الخوف. أن يأتي يوم أفعل فيه شيئًا من دون أن يكون أول سؤال في رأسي: ماذا سيقول أبي؟ أريد أن أعمل. أن أقرر. أن أخطئ بخطئي أنا. أن أنجح بنجاحي أنا. أن يكون عندي شيء أستطيع أن أقول عنه: هذا لي. لكن حتى نجاحي لم يُترك لي كاملًا. كان أبي يقول في المجالس والأعياد والمناسبات كلامًا بقي في ذاكرتي: «إذا نجح ابني، فأنا الذي نجحت في الحياة.

لا يهمني أحد آخر؛ إذا نجح هو فقد فزت أنا.» ومن يسمع الجملة قد يراها كلمة أب يفخر بابنه. وربما كان أبي نفسه يسمعها بهذه الطريقة. وأنا حاولت سنوات أن أفرح بها. لكن شيئًا داخلي كان ينقبض. فهمته بعدما كبرت. إذا نجحت أنا، فهو الذي نجح. وإذا أخفقت، صار إخفاقي شيئًا يمس صورته. كأن حياتي امتداد لحياته. أما أنا، فأين كنت في نجاحي؟ لم أكن أعرف كيف أقول ذلك. وربما لهذا بقيت في ذاكرتي حادثة صغيرة تكشف الكثير. أول جوال اشتريته في حياتي. كانت الجوالات يومها شيئًا جديدًا، وكنت أنا وصديقي نفكر منذ قرابة شهرين: نشتري أم لا؟

شهرين. واليوم أستغرب: ما الذي كان يحتاج كل هذا التفكير؟ لم أكن أفكر في الهاتف. كنت أفكر في أبي. ماذا سيقول؟ كيف سيغضب؟ إلى درجة أنني أقنعت العامل الذي معنا أن يشتري جوالًا قبلي. أردته أن يسبقني فقط. أن يرى أبي الهاتف مع شخص آخر. أن يصبح وجوده شيئًا عاديًا. ثم أشتري أنا بعده. حتى شراء شيء بمالي كنت أحتاج أن أمهد له الطريق. ثم اشتريت الجوال. وأذكر فرحتي به. ليس لأنه جهاز فقط. بل لأنه كان شيئًا اخترته أنا. اشتريته أنا. وبمالي أنا. شيء صغير. لكنه لي. ثم عرف أبي. وغضب. قال لي: أرجعه. وقاطعني أيامًا.

وتبرأ مني أمام من حوله. وأنا واقف أحاول أن أفهم: ماذا فعلت؟ هل سرقت؟ لا. هل أخذت ماله؟ لا. هل آذيت أحدًا؟ لا. اشتريت جوالًا. فقط. ثم اشتريت بعد ذلك لزوجتي جوالًا، فعاد الغضب والسباب. وكنت أرى إخوتي وأخواتي يشترون. ولا يحدث شيء. بل كان أبي أحيانًا يشتري لهم بنفسه. أما معي، فكان الأمر مختلفًا. لم أفهم يومها أن القضية ليست الهاتف. فهمت ذلك بعد سنوات. القضية أنني بدأت أقرر دون أن يقرر هو. دخل إلى حياتي شيء لم يختره. مساحة صغيرة تخصني. أنا لم أقل له يومها: هذه حياتي. لم أكن أجرؤ.

لكن الهاتف في يدي قال شيئًا لم أستطع قوله: هذا اخترته أنا. وحين أنظر اليوم إلى كل هذه المشاهد، لا أراها حوادث متفرقة. أرى طفلًا ينظر إلى أخيه فوق كتف أبيه. يرى أباه يخاف عليه. ثم يخاف هو من الأب نفسه. يسمع اسم «الخادم». فيبدأ يحاول أن يثبت أنه أكثر من هذا الاسم. يدرس. يعمل. يطيع. ينجح. يكسب. ويمضي العمر وهو يقدم الأدلة. كأنه يقول لأبيه: انظر إليّ. أنا لست سيئًا. أنا لست فاشلًا. أنا لست كذابًا. أنا لست مزورًا. أنا لست خادمًا. أنا ابنك. ثم يصل بعد نصف عمر تقريبًا إلى الحقيقة التي كان يجب أن يعرفها منذ البداية: لم يكن عليه أن يثبت شيئًا.

فالطفل لا ينبغي أن يحفظ الدنيا حتى يستحق ابتسامة أبيه. ولا أن يتفوق حتى يستحق فخره. ولا أن يعمل ليلًا ونهارًا حتى يستحق مكانًا في البيت الذي وُلد فيه. ولا أن يصبح غنيًا حتى يمحو اسمًا ألقاه عليه أبوه وهو صغير. وأعود مرة أخرى إلى أخي. إلى ذلك الطفل الجميل فوق كتف أبي. لا أراه خصمي. ولا أريد أن أنزله من مكانه حتى اليوم. ليته بقي محبوبًا وآمنًا طوال حياته. كل ما كنت أريده من أبي لم يكن أن يأخذني مكانه. كنت أريد شيئًا أبسط من ذلك كله. أن يمد يده الأخرى. يد تحمل أخي. واليد الأخرى تمسكني أنا. لم أطلب عرشًا. ولم أطلب أن أكون أميرًا. ولم أفهم لماذا سُميت خادمًا. كنت طفلًا. وكل ما أردته من أبي: أن أشعر، ولو مرة واحدة، أنني ابنه أيضًا. وكان يجب أن يكون هذا كافيًا.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل السادس
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الأول · لم أكن الخادم1,277 كلمة · نحو 7 دقائق

الفصل السادس

خمس دقائق ومليون

ألوان القراءة
حجم النص

خرجت من المدرسة وبدأت العمل مع والدي. وفي تلك الفترة حاولت مرارًا أن يعمل معي صديقي وجاري. كان أبي رافضًا له وغير مقتنع به، فحاولت إقناعه بأن يدخل والده شريكًا معنا. وافق في النهاية، وإن بقي غير مقتنع به تمامًا. كان راتبي قليلًا جدًا، وكنت أريد أن أجمع مبلغ زواجي بنفسي. لم أكن أسحب من راتبي إلا نحو خمسين ريالًا في الأسبوع، وأترك الباقي حتى جمعت مبلغ زواجي وتزوجت. لم يكن لأبي فضل مالي في زواجي ولا منّة؛ ما جمعته كان من راتبي وعملي. ثم انتقلنا للعمل في سوق اسمه البلد. ومن هنا بدأت بدايتي الحقيقية.

دخلت المحل وأنا في بداية العشرينات من عمري، ولا أملك شيئًا تقريبًا. وكان معي صديقي الذي جاء ليساعدني، وهو نفسه الذي أصبح لاحقًا ينقل إلى أبي أخبار تحركاتي وحضوري وتأخري عندما لا يكون موجودًا، بعد أن كان أبي في البداية لا يريده وغير مقتنع به. بدأت في ذلك المحل من الصفر، وكنت أعمل فيه ليلًا ونهارًا. في السنة الأولى لم يكن أبي يدخل السوق. أخبرني أن الرجل الذي كان يعمل معه سابقًا منعه من دخوله، وكان خالي، الذي يعمل مع ذلك الرجل، وراء ما حدث بحسب ما كنت أعرفه وقتها.

وكانت بين أبي وخالي خصومة شديدة؛ كل واحد منهما يتحدث عن الآخر بكلام سيئ أمام الناس. بعد نحو سنة ونصف، كان المحل قد بدأ يقوم على قدميه شيئًا فشيئًا. وكنت أريد لأبي أن يحضر ويرى ما بدأنا نفعله. كنت أراه في تلك الفترة مترددًا وخائفًا من العودة إلى السوق، وهي من المرات القليلة التي رأيت فيها الخوف عليه بهذه الصورة. ذهبت إلى خالي وحاولت معه. قال لي إن الموضوع ليس بيده. عدت إليه مرات ومرات، وبدأت أفعل شيئًا كنت قد تعلمته منذ طفولتي، لكن هذه المرة لسبب مختلف. كنت أكذب لأصلح بينهما.

أقول لخالي إن أبي يتحدث عنه بخير، وإنه كان من أحب الناس إليه، ثم أذهب إلى أبي وأقول له كلامًا طيبًا عن خالي. كنت أحاول أن أهدئ ما بينهما، لا أن أزيده. وفي إحدى المرات قلت لخالي: إذا حدث لأبي شيء فسأذهب بنفسي إلى الرجل الذي تعمل معه وأحاول إقناعه. طلب مني ألا أذهب. ومع الوقت بدأت الأمور تهدأ تدريجيًا. واصلت عملي. كنت أكسب الزبائن واحدًا بعد الآخر، وبعد انتهاء دوامي لم يكن يومي ينتهي. كنت أذهب ليلًا إلى المصانع والورش، أبحث عن الممولين، وأبحث عن موديلات أستطيع أن أنفرد بها، وأتعرف إلى التجار وأبني علاقاتي معهم.

تعرفت إلى عشرات التجار، وبدأ بعضهم مع الوقت يمولني بالذهب بعد أن عرفني ووثق بي. وأقولها كما عشتها وكما أراها حتى اليوم: ما فعلته لذلك المحل لم يكن شيئًا بسيطًا. في التمويل، وفي بناء سمعة المحل، وفي البيع، وفي العلاقات التي صنعتها مع التجار والزبائن، بذلت شيئًا لا أعتقد أن أحدًا ممن كانوا حولي وقتها كان يستطيع أن يفعل ربعه بالطريقة نفسها. لا أقول هذا تفاخرًا، بل لأن هذه هي المرحلة التي عشتها، ومن عرف السوق في تلك السنوات يعرف ما أقصده. كنت أقف في بعض الأيام نحو أربع عشرة ساعة.

حفظت أسماء التجار، وعرفت الزبائن، وصرت أعرف وزن القطعة بعيني قبل أن تلمسها يدي. لم أتعامل مع المحل كموظف ينتظر انتهاء دوامه؛ كنت أتعامل معه كشيء أبنيه بيدي. ومع الوقت لم يعد الزبائن يأتون من مكان واحد. تكوّن لي زبائن كثيرون من أماكن وبلدان مختلفة، وأصبح كثير ممن يأتون إلى السوق يسألون عني بالاسم: «أين أبو علي؟» وانتشر اسم أبي علي. صار الاسم معروفًا بين التجار والزبائن، وصار بعض الناس يعرفون المحل من خلال اسمي ويسألون عنه إذا وصلوا إلى السوق. وهذه أيضًا لا أقولها لأتفاخر؛ إنها حقيقة يعرفها من كان في السوق في تلك الفترة.

كبر العمل، وكثر الزبائن، وتراكم الذهب في المحل، حتى أصبح أشبه بسوق كامل. وكان الناس يسمونه: سوبر ماركت الذهب. لم يكن بالنسبة إليّ مجرد تجارة. كان تعبي ووقتي وسنوات من عمري. كنت أعرف كل خطوة أوصلته إلى ما صار عليه؛ من الليالي التي كنت أذهب فيها إلى المصانع والورش، إلى التاجر الذي بدأ يمولني، إلى الزبون الذي عرفني ثم عاد إليّ مرة بعد مرة. لكن في الوقت الذي كان فيه المحل يكبر، كان هناك شيء آخر يحدث بجانبه. كان أبي وصديقي يهتمان كثيرًا بمراقبة حضوري وتصرفاتي.

أحيانًا كنت أشعر أن ما بعته، وما ربحته، وما أحضرته للمحل، وما صنعته من علاقات، لا يلفت النظر بقدر ما يلفته أن أتأخر عدة دقائق. كان صديقي يسجل وقت حضوري وتأخري، وينقل إلى أبي ما يحدث. ومع الوقت بدأت أرى أنه يجد لنفسه مكانًا عند أبي كلما جاءه بخبر عني: تأخير، أو حركة، أو شيء فعله أبو علي اليوم. كنت أقول في نفسي أحيانًا إن أي معلومة يحصل عليها عني أصبحت بالنسبة إليه كأنها سبق صحفي يريد أن يصل به إلى أبي أولًا. أما أبي، فكان ينام معظم النهار، ثم يأتي بعد المغرب.

وفي أيام كثيرة يبدأ السؤال عن الحضور وما حدث، وإذا وجد شيئًا يغضبه يبدأ الشتم واللعن، وأحيانًا التفل، من دون أن يكون حجم ما حدث متناسبًا مع كل ذلك. وأذكر يومًا بعينه لا أنساه. كنت قد حققت في نحو نصف يوم ربحًا يقارب مليون ريال. وفي اليوم نفسه تأخرت عن الحضور نحو خمس دقائق. وكان صديقي قد سجل التأخير. حين جاء أبي كنت خائفًا لأنني أعرف أن خبر الدقائق الخمس قد وصله. حاولت أن أسبقه بخبر ظننت أنه سيفرحه وينسيه التأخير. قلت له: «اليوم كسبنا قرابة مليون.» كنت أريد أن أفرحه.

وأتذكر كفه وهو يحركه يمينًا ويسارًا، كأنه يقول لي: اترك هذا الكلام. قال لي: «اترك عنك هذا. أرني الحضور.» ثم بدأ السب والغضب، وقال لي إن الخمس دقائق أفضل عنده من المليون. بقيت هذه الجملة في رأسي. كنت يومها رجلًا يعمل ساعات طويلة، وبنيت محلًا صار التجار يعرفونه، والزبائن يسألون فيه عن أبي علي، وحققنا في ذلك اليوم ربحًا يقارب المليون، ومع ذلك كنت واقفًا أمام أبي خائفًا بسبب خمس دقائق. ولم أكن أفهم وقتها ماذا يجب أن أفعل أكثر من ذلك حتى يكون ما أفعله كافيًا. واصلت العمل. وإلى جوار محل الذهب كان هناك محل للبخور.

كان أبي قد عمل فيه من قبل، ولم ينجح كما كان يريد، وبقي سنوات لا يحقق ما كان يرجوه منه. استأجرته من أبي وبدأت أعمل فيه أنا أيضًا. وضعت فيه جهدي ووقتي، ومع الوقت تغير حاله وبدأ ينجح ويحقق دخلًا جيدًا، حتى صار يربح بصورة قوية. كان محلًا لم ينجح من قبل، ثم نجح معي. وعندما رأى أبي نجاحه، بدأ يريد المحل مرة أخرى، وانتظر خلافًا بسيطًا بيننا حتى أعاده إليه. لم أكن أفهم يومها لماذا كلما نجح شيء أعمل عليه تصبح الأمور أصعب بدل أن تصبح أسهل.

ولم أكن أعرف ما الذي يدور في رأس أبي، ولا أريد اليوم أن أضع في رأسه شيئًا لا أعرفه. أنا أعرف فقط ما حدث أمامي. كلما كبر المحل وامتلأ بالذهب، ازدادت المراقبة والشك. كان أبي يريد أن يعرف أين ذهبت، ومتى حضرت، وماذا فعلت. وكان صديقي ينقل إليه ما يستطيع نقله. وأحيانًا كان أبي يأتي إليّ ويتحدث عن أحلام رآها: أفاعٍ سوداء وأشياء أخرى، ويقول الكلام بطريقة أشعر معها أن المقصود أنا أو أن هناك شيئًا يشك فيه نحوي. كنت أسمع وأتجاهل. لم تكن عندي طاقة كل يوم لأشرح أو أدافع أو أدخل في مواجهة. كنت أعمل.

ومع كثرة ما تكرر، وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها الإهانة تمر عليّ وأكمل يومي بعدها. لم أكن أراها طبيعية، لكنني كنت قد اعتدت أن أعيش معها. كان همي أن يستمر العمل. وأن يكبر المحل. وأن أحافظ على ما بنيته. دخلت سوق البلد وأنا في بداية العشرينات، لا أملك شيئًا تقريبًا. وبعد سنوات كان أمامي محل ممتلئ بالذهب، يعرفه التجار، ويأتي إليه زبائن من أماكن مختلفة يسألون: «أين أبو علي؟» وإلى جواره محل بخور لم ينجح سنوات، أخذته وعملت عليه حتى نجح هو أيضًا. كنت قد أثبت لنفسي أنني أستطيع أن أبني. لكن النجاح في العمل لم يكن يعني أنني أصبحت أملك قراري.

كان اسمي يكبر في السوق. وكان المحل يكبر. وكان عدد من يعرفون أبا علي يكبر. لكن أمام أبي، كان يمكن لكل ذلك أن يختفي خلف خمس دقائق. وفي النهاية خرجت من المحل الأول. خرجت ومعي مال قليل قياسًا بما وضعته فيهما من سنوات وعمل وجهد، ومعي حلم بيت. لم أكن أعرف أن الطريق إلى ذلك البيت سيمر بكل ما سيأتي بعده.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل السابع
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الأول · لم أكن الخادم1,194 كلمة · نحو 7 دقائق

الفصل السابع

حتى في بيتي

ألوان القراءة
حجم النص

وقبل خروجي من المحل الأول، كنت قد حاولت أن أستقلّ في حياتي، لكنني بقيت تحت سيطرة أبي. لم أكن أملك يومها تفسيرًا لما يحدث لي، ولا كلمة أضعها عليه. كنت أعيش حياتي كما يعيش كثيرون أشياء لا يعرفون كيف يسمونها. أعمل، وأحاول أن أبني نفسي، وكان أول حلم حقيقي وواضح تكوّن عندي أن أخرج. لم يكن حلمي في البداية أن أصبح غنيًا. كان حلمي أن أتزوج، وأن يكون لي بيت مستقل. وفعلت. خرجت من بيت أبي إلى بيت خاص بي. كنت أظن أن الزواج سيغير شيئًا أساسيًا في حياتي. لم أعد طفلًا يعيش في بيت أبي.

أصبحت رجلًا متزوجًا، لي زوجة وبيت ومسؤولية، وكنت أحاول أن أبني نفسي وشخصيتي، وأن يكون لي رأي وقرار في حياتي. لكنني اكتشفت أن خروجي من بيت أبي لا يعني أنني خرجت من سلطته. بدأ يتدخل حتى في بيتي وحياتي مع زوجتي. كان يريد أن يعرف كل شيء: ماذا اشتريت؟ ماذا اشترت زوجتي؟ ماذا أنفقنا؟ ماذا دخل إلى البيت؟ حتى التفاصيل التي كنت أراها خاصة جدًا كان يريد أن يعرفها. ولم يكن يكفيه أن يعرف. كان يفتح أكياس المشتريات ويفتشها بيده، ويبحث بينها. كنت أعرف أنه يشك في أنني ربما أخذت ذهبًا وأخفيته بين ما أحمله إلى بيتي.

وإذا سألته: «لماذا؟» كان يقول ببساطة: «أريد أن أرى ماذا أتيت.» وأتذكر جيدًا مرة وجدته يفتش كيسًا فيه ملابس نوم زوجتي. قلت له: «ماذا تريد؟» فقال: «لماذا؟ أنا أبوك، لا مشكلة. أريد أن أعرف ذوقك في الشراء.» كنت أعرف أن المسألة ليست ذوقي في الشراء، وكنت أعرف ما في نيته، لكنني كنت أتظاهر بأنني لا أفهم. وكان يدخل غرفة نومي من دون استئذان. يأتي في الصباح وأنا لا أزال نائمًا، يصرخ ويسب ويشتم، ولا يبالي بأن هذه غرفة نومي في بيتي. وإذا وجد شيئًا لا يعجبه، يدخل ويقلب المكان. ومرات عديدة كان يرمي عليّ الماء القذر وأنا نائم.

كان يفعل ذلك أمام زوجتي. وهذا كان يؤلمني بطريقة أخرى. كنت أحاول أمامها أن أبني صورتي كرجل، زوج له بيته وقراره وشخصيته، ثم يدخل أبي ويعاملني أمامها وكأنني ما زلت طفلًا لا رأي له. هو الذي يقرر، وهو الذي يقول نعم أو لا، وهو الذي يريد أن يعرف كل خطوة قبل أن أفعلها. وكأن زواجي وبيتي وعملي لم تغير شيئًا في حقي في أن أقرر لنفسي. أنا لم أكن أريد أن أكون تابعًا. كنت أحب أن أقود عملي وحياتي، وأن أتحمل نتيجة قراري، سواء نجحت أو أخطأت. كنت أحاول أن أبني نفسي بهذه الطريقة.

لكن أمام أبي كان الأمر مختلفًا؛ لم يكن يريد مني فقط أن أسمع كلامه في مسألة أو مسألتين. كنت أشعر أن شخصيتي نفسها يجب أن تبقى تحت سلطته. حتى الأشياء التي تخصني أنا، كان القرار الأخير فيها يجب أن يكون له. والأغرب أنني، بدل أن أقول لزوجتي حقيقة ما يحدث، كنت أحيانًا أحاول أن أحمي صورة أبي أمامها. كنت أقول لها: «أبي يحبني. أبي يريد مصلحتي. هو يخاف عليّ.» وأبرر لها تصرفاته. كنت أحاول أن أجعلها ترى أبًا يحب ابنه ويخاف عليه، بينما أنا أعرف كيف يعاملني عندما لا يرانا أحد. واليوم عندما أتذكر ذلك، أرى شيئًا يدهشني في نفسي.

أنا فعلت الشيء نفسه وأنا طفل. كنت أتكلم أمام الأطفال عن أبي، وأقول لهم إنه يحبني ويفعل لي كذا وكذا، وأحاول أن أصنع أمامهم صورة جميلة له، مع أنهم لم يكونوا يسألونني أصلًا. لم يكن أحد يطلب مني أن أثبت أن أبي يحبني، لكنني كنت أفعل ذلك من نفسي. كبرت، وتزوجت، وصار لي بيت، ثم وجدت نفسي أفعل الشيء نفسه أمام زوجتي. كأن السنوات مرّت، لكن ذلك الطفل بقي في مكان ما داخلي. كنت أحاول أن أحمي صورة أبي، وأحمي صورتي أنا في الوقت نفسه.

كان صعبًا عليّ أن أقول لزوجتي إن الرجل الذي تزوجته، والذي يعمل ويبيع ويشتري ويتحمل المسؤولية، لا يستطيع في حياته الخاصة أن يقول دائمًا: هذا قراري. ولم أكن أريد أن تراني ضعيفًا أمامه. لذلك كنت أبرر. وأحيانًا كنت أكذب. ليس لأخفي عنها شيئًا فعلته، بل لأخفي عنها شيئًا كان يُفعل بي. ومع الوقت اكتشفت أن أبي لم يكن يحتاج دائمًا إلى أن يدخل بيتي بنفسه حتى يعرف ما يجري داخله. كان يذهب إلى زوجتي. يجلس معها بهدوء، ويتكلم معها كما يتكلم أب يخاف على ابنه، ويقول لها: «أنا أريد إصلاحه. أنا أريد له الخير. أنا خائف عليه.»

وكانت زوجتي شابة صغيرة، وهو أبو زوجها. لم يكن عندها سبب يجعلها تشك في كلامه. والأهم أنني أنا نفسي كنت قد قلت لها الكلام نفسه عنه. فلماذا لا تصدقه؟ كانت تجيبه بحسن نية. ومن هذه الأحاديث كانت تخرج تفاصيل حياتي من البيت من دون أن تعرف أنها بالنسبة إليه معلومات يريدها: أين ذهبت؟ ماذا اشتريت؟ كم أنفقت؟ من زارنا؟ ماذا نأكل؟ ماذا أنوي أن أفعل؟ وكنت أفاجأ أحيانًا بأن أبي يعرف شيئًا لم أخبره به. أعود إلى نفسي وأسأل: من قال له؟ وأبحث في كل اتجاه، ولا أفهم كيف وصلت إليه المعلومة. ثم عرفت.

وعندما سألت زوجتي، فهمت أنها لم تكن ترى نفسها تنقل له أخباري أصلًا. كان يقول لها إنه يخاف عليّ ويريد مصلحتي، وكانت تصدقه. ولم أستطع أن ألومها. كيف ألومها وأنا الذي كنت أقول لها إن أبي يحبني ويريد مصلحتي؟ أنا بنفسي ساعدتها على تصديق الصورة التي كنت أحاول أن أصنعها له. ثم مات أخي القائد، رحمه الله، الذي كنت أحبه. غيّر موته أشياء كثيرة داخلي. بعده أصبحت أكثر تعلقًا بمن بقي من إخوتي. كنت أهتم بالصغيرين منهم كأنهما من أبنائي، وحتى زوجتي كانت تجلس معهما وتذاكر لهما. دخلت أمي في الأمر وأقنعتني بالعودة، واستخدم أبي زوجتي أيضًا حتى تقنعني.

فعدت إلى السكن مع أبي والعائلة، بعدما كنت أسكن قريبًا منهم مستقلًا. عدت حبًا في أمي، وحبًا في إخوتي، لكنني عدت أيضًا إلى الدائرة نفسها. وبقي في داخلي حلم واحد: أن أبني يومًا بيتًا أملكه أنا. بيتًا لا يملك أحد مفتاحه غيري. بيتًا لا يحدد فيه رجل آخر كيف أعيش. واصلت العمل، وعملت كثيرًا. وبتعبير لا أجد أدق منه حتى اليوم: كنت حمار شغل. من الصباح إلى الليل أعمل، وأتحمل، وأصبر، وأقول لنفسي إن يوم الاستقلال سيأتي. لم أكن أبحث عن المال من أجل المال وحده. كنت أبني شيئًا آخر. كنت أحاول أن أبني نفسي.

كنت أريد أن أصل إلى مرحلة يكون فيها رأيي له اعتبار، وقراري له اعتبار، وإذا قلت نعم فهي نعم لأنني أنا قلتها، وإذا قلت لا فهي لا لأن هذه حياتي. لكن هذا بالتحديد هو الشيء الذي لم أكن أملكه مع أبي. في السوق كنت أعمل وأبيع وأشتري وأتحمل المسؤولية. كان الناس يعرفونني ويحترمون عملي. لكن أمام أبي كان يستطيع في لحظة أن يعيدني إلى المكان نفسه: هو يقرر، وأنا أنفذ. وكان من أكثر ما يؤلمني أن يفعل ذلك أمام شخص يعرفني بصورة أخرى.

إذا جاء صديق عزيز عليّ، أو شخص له مكانة عندي ويحترمني، كنت أشعر أن أبي يختار تلك اللحظة ليوجه كلامًا يصغرني أمامه، وكأن الصورة التي بنيتها لنفسي يجب أن تسقط أمامه أيضًا. وكنت أتألم، وأتحمل، ثم أعود إلى التفسير نفسه: ربما أبي يريد لي الصلاح. ربما يريد مصلحتي. ربما أنا لا أفهم طريقته. حتى أمي كانت أحيانًا تقول لي بوضوح: «أبوك مختلف. أبوك يشك فيك.» وكنت أسمعها، ولا أستوعب تمامًا ما تقصده. كنت قد أصبحت رجلًا، وتزوجت، وصار لي بيت، وأعمل من الصباح إلى الليل، وأحاول أن أبني شخصيتي وحياتي بيدي. لكن شيئًا واحدًا بقي كما كان منذ طفولتي.

كلما آذاني أبي، كنت أبحث له عن عذر. وكلما هدم صورتي أمام أحد، كنت أحاول أنا أن أعيد بناء صورته أمام ذلك الشخص. فعلتها طفلًا أمام الأطفال. وفعلتها رجلًا أمام زوجتي. وربما لهذا احتجت سنوات طويلة حتى أفهم أنني لم أكن أحاول فقط أن أخرج من بيت أبي. كنت أحاول أن يصبح لي حق أن أكون أنا.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل الثامن
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الأول · لم أكن الخادم2,225 كلمة · نحو 12 دقيقة

الفصل الثامن

كيف سأواجه أبي؟

ألوان القراءة
حجم النص

حدثت قصة أفريقيا أثناء عملي في المحل الأول، خلال نحو سنتين تقريبًا من بداية العمل فيه. وصلت إلى جوال أبي رسالة نصية. لم يكن عندي جوال وقتها، وكانت الجوالات ما زالت قليلة. كانت من تلك الرسائل الغريبة التي كانت تنتشر في ذلك الزمن؛ كلام عن رؤيا وبشارة وخير قادم، وخلاصتها أن من يقرأ الدعاء أو التعويذة والعبارات المكتوبة فيها سيأتيه خير أو تتحقق له بشارة. حذرته وقلت له: «لا تصدق هذه الخزعبلات.» فنظر إليّ وقال: «لأن إيمانك ناقص، وأنت بعيد عن الله.» لم أسمع كلامه يومها على أنه مجرد رد على رأيي، بل أخذته حكمًا عليّ.

والحقيقة أنني كنت أصدق أبي في ذلك الوقت، واستمر شيء من هذا التصديق معي سنوات طويلة بعد ذلك. فإذا قال إن إيماني ناقص، كنت أبحث عن النقص في نفسي أنا. وفي الفترة نفسها كان أبي يقضي وقتًا طويلًا داخل محل البخور مع بعض الأفارقة. وكان هناك رجل منهم يأتي إليه ويجلس معه يومًا بعد يوم. كنت أراهما معًا وأعتقد أن بينهما تجارة أو صفقة، لكنني لم أكن أعرف التفاصيل. بعد ذلك قال لي أبي إن هناك مهمة في أفريقيا. أخبرني أنه سيذهب ليومين، وأننا سنذهب معًا، لكن عندما جاء وقت السفر اكتشفت أنني أنا الذي سأذهب وحدي.

سافرت إلى أفريقيا، وتحديدًا إلى بوركينا فاسو. ولا أخفي أنني كنت سعيدًا، وفي الوقت نفسه مستغربًا: أنا أسافر وحدي وإلى قارة أخرى. كان الأمر بالنسبة إليّ وقتها كبيرًا؛ فلم أكن معتادًا على السفر البعيد، ولم أتخيل يومًا أنني قد أسافر بهذه الصورة. وكان أبي قد حدد مهمتي بوضوح. لم يطلب مني أن أتفاوض أو أن أتم الصفقة. قال لي أكثر من مرة، بما معناه: اذهب حتى يعرفوا أننا جادون، وتأكد أن الذهب موجود. إذا رأيت الذهب أخبرني، وأنا أكمل الباقي من هنا. كرر عليّ الكلام، ثم سألني: «هل فهمت ما قلته لك؟» قلت: «نعم.»

وكانت المهمة في نظري بسيطة: أرى الذهب، وأخبره أنه موجود. عندما وصلت، فوجئت بمن يستقبلني باهتمام كبير، كأنني أمير أو ممثل عن تاجر كبير. يومها أخذت ذلك الاستقبال على أنه دليل على أهمية الصفقة. أما اليوم، فعندما أتذكر ذلك الاستقبال، أعرف أن مثل هذه المبالغة قد تكون إحدى الطرق التي يستخدمها المحتال ليطمئن من أمامه. أخذوني إلى المكان. رأيت صناديق كثيرة، ورأيت السبائك بعيني. وبحكم عملي كنت أعرف الذهب وأميز ثقله. اتصلت بأبي وقلت له: «نعم، رأيت الذهب.» وكانت الكمية، بحسب ما رأيت وما بقي في ذاكرتي، تتجاوز الطن. كنت أعتقد أن مهمتي انتهت تقريبًا؛ السؤال كان واضحًا: هل يوجد ذهب أم لا؟

والذهب كان موجودًا أمامي. ثم أعطوني أوراقًا للتوقيع. وقعت، لكنني طلبت نسخة منها وأخذتها معي. كانت الأوراق بالفرنسية، فذهبت لأترجمها. وهناك رأيت السعر. كان السعر المكتوب، بحسب ما أتذكر، نحو عشرة ريالات للغرام، بينما كان سعر الغرام في ذلك الوقت قريبًا من ثلاثين ريالًا. فرحت. وفي تلك اللحظة عادت إلى ذهني الرسالة التي وصلت إلى جوال أبي. بدأت أقول لنفسي إن الرؤيا ربما تتحقق فعلًا أمام عيني، وإن أبي حين قال إن إيماني ناقص وإنني بعيد عن الله ربما كان على حق. بدأت ألوم نفسي على سخريتي من الرسالة، وأفكر في تقصيري وأنني يجب أن أتوب وأستغفر.

ما كنت أراه أمامي بدا لي صفقة لا تصدق. اتصلت بأبي من السنترال وقلت له متحمسًا ما معناه: «ما شاء الله، ما هذه الصفقة القوية؟» لكن صوته تغير فورًا. غضب وقال: «من قال لك أن تترجم الأوراق؟ أنا قلت لك شيئًا واحدًا: انظر هل يوجد ذهب أم لا.» وسبني ولعنني، ثم سألني إن كنت قد اتصلت بأحد غيره. قلت له: «لا.» ولم يكن معي جوال أصلًا؛ كنت أتصل به من السنترال. لم أفهم يومها لماذا أغضبه حصولي على نسخة من الأوراق، ولا لماذا أزعجه أن أعرف السعر المكتوب فيها.

فهمت بعد ذلك أن الصفقة كانت تُدار من جدة، وأن أبي كان على اتصال مباشر بصاحب الذهب، الذي تبين لي لاحقًا أنه محتال. كان المطلوب مني أن أرى الذهب فقط، لا أن أقرأ الأوراق. ثم بدأت الأمور تتعقد. صاروا يطلبون مبالغ إضافية، وكنت أتصل بأبي فيقول لي: «انتظر.» وبحسب ما كنت أفهمه يومها، دخلت في الموضوع مبالغ كبيرة تتجاوز نصف مليون ريال. ثم اختفى أشخاص، وبقيت أنا هناك. وفي النهاية طُلب مني أن أرجع، ولم يكن معي حتى ثمن تذكرة العودة. طلبت من أبي المال، فلم يرسل لي ريالًا واحدًا.

حاولت وحدي أن أحصل على أي كمية من الذهب أستطيع الرجوع بها، حتى لا أعود وكأن الرحلة كلها ذهبت هباءً. وربما كانت الحقيقة أنني كنت أخشى أن أعود إلى أبي خالي اليدين. وهنا حدث شيء لم أتحدث عنه لسنوات طويلة. اختطفتني جماعة أخرى، وبقيت في قبضتهم أكثر من أسبوعين. كانوا يطلبون فدية، وكانوا يضربونني، ويعطونني من الماء ما يكفيني بالكاد. والشيء الذي بقي في ذاكرتي من تلك الأيام ليس الضرب وحده، بل سؤال كان يتكرر في رأسي: كيف سأواجه أبي؟ اليوم، عندما أقولها، أعرف غرابتها. كنت مخطوفًا في بلد بعيد، ولا أعرف كيف ستنتهي القصة، ومع ذلك كان السؤال الذي يشغلني: كيف سأواجه أبي؟

أوهمت الحارس أنني سأرسل له مالًا، فابتعد عني، واستغللت الفرصة وهربت. ولم أخبر أبي بما حدث لي هناك. كنت أعرف، حتى قبل أن أصل، أنه غاضب بسبب الخسارة. وفي النهاية أرسل أخو زوجتي مالًا، واستطعت أن أعود. وعندما عدت وجدت نفسي في موضع المتهم. لم أكن أعرف بدقة كم دفع أبي، ولا ماذا اتفق عليه مع الآخرين، ولا أين ذهبت الأموال. كنت أعرف فقط أن مهمتي كانت أن أذهب وأرى: هل هناك ذهب أم لا؟ وكان هناك ذهب. ومع ذلك أصبحت الخسارة فوق رأسي. قال أبي أمام العائلة والشركاء ومن يعرفنا إنني كذبت عليه، وإن الذهب لم يكن موجودًا أصلًا.

أما أنا فكنت أعرف ما رأيته. كنت هناك، ورأيت الذهب بعيني. ثم جاءت لاحقًا أحلامه بالأفاعي السوداء، وأصبحت، في تفسيره، سببًا في ضياع ماله وعدوًّا له. انقلب كل شيء: الرسالة التي بدأت برؤيا وبشارة، والتي جعلتني للحظة أظن أن الخير الذي وعدت به يتحقق أمام عيني، انتهت بأن أصبحت أنا في القصة سبب الخطر. اليوم أستطيع أن أسأل: لماذا لم يذهب هو؟ وإذا كنت قد سرقت، فأين أخفيت ما سرقته؟ وأين المال أصلًا؟ لكنني لم أكن أفكر بهذه الطريقة وقتها. كنت قد بدأت أشك في نفسي فعلًا.

وكلما تذكرت تلك الأيام اليوم غضبت من سذاجتي وضعفي، ومن قدرتي على تصديق أن الخلل قد يكون فيّ أنا حتى عندما لا أعرف ماذا فعلت. وبعد سنوات سمعت تاجرًا معروفًا يروي تجربة شبيهة جدًا بما حدث معنا، فعادت إليّ تلك الرحلة بتفاصيلها. لكنني لم أكن أحتاج إلى قصة رجل آخر حتى أعرف أن الذهب كان موجودًا؛ أنا رأيته بعيني. ولم تكن أفريقيا آخر مرة أجد فيها نفسي أحمل نتيجة قرار لم يكن قراري. جاءت بعدها تجارب أخرى. خسر أبي أموالًا في أمور مختلفة، وفي كثير من المرات أصبحت أنا المسؤول في نظره.

وكنت أسأل نفسي أحيانًا: إذا كنت أنا المسؤول، فأين المال؟ أين ما سرقته؟ أين ما أخذته؟ ومع ذلك خرجت من تلك التجارب بشيء آخر. تعلمت السوق، وتعرفت إلى تجار حقيقيين، وتعلمت أن أفرق بين الرجل الذي يعرف تجارته والمحتال. وعرفت مع الوقت أن الذهب ليس مجرد بضاعة؛ هو ثقة واسم وسمعة ومعرفة. وكبرت التجارة. بدأت الكميات صغيرة، ثم أصبحت عشرات الكيلوغرامات، وبعدها مئات بحسب ما أذكر، وأصبح يأتي إلينا تجار حقيقيون، خصوصًا في مواسم الحج. كان الذهب والبخور أساس عملي، لكنني لم أكن أريد أن يبقى رزقي كله متعلقًا بمصدر واحد. وكانت الجوالات وقتها في بداية انتشارها، فدخلت هذا المجال مبكرًا.

كان لي محل للجوالات في جهة أخرى من السوق، وضعت فيه عمالًا وكنت أتابعه بنفسي، ومع نمو النشاط بدأت أتوسع إلى محل ثانٍ. كنت أفكر ببساطة: لماذا يكون رزقي كله من باب واحد؟ كنت أريد أن أقوي نفسي، وأن يكون عندي أكثر من مصدر للدخل. لكنني لم أجد المكان الذي أقف فيه من أبي وأرتاح. إذا بقيت في محل الذهب والبخور، كانت كل حركة محسوبة: أين ذهبت؟ ماذا فعلت؟ ماذا اشتريت؟ ماذا بعت؟ وإذا ذهبت إلى عملي الآخر، صار غيابي نفسه سؤالًا. لم يكن القرب يريحني، ولا العمل في مكان آخر يبعد عني الشك. أما أنا فكنت أعمل.

وكلما جاءني خير، كان أهلي في بالي. في آخر السنة، عندما أجمع ما كسبته، كانت أمي في مقدمة من أفكر فيهم، ثم زوجتي وأخواتي. وكنت أحرص على أن أعطي الجميع، وحتى عندما أشتري لزوجتي شيئًا كنت أفكر في أخواتي معها؛ لأنني كنت أعرف أنني في غنى عن مشكلة قد تنشأ من أمر كهذا. وفي إحدى الفترات عقدت صفقة كبيرة، وصنعت لأمي حزامًا كبيرًا من الذهب، ضخمًا حتى إنه كان يشبه حزام المصارعين، ووضعت في وسطه كنيتها: «أم فلان». بقي الحزام معها فترة، ثم باعه أبي. وفي تلك الفترة قالت لي أمي: «أبوك يغار منك. لا تعطني شيئًا أمامه.»

استغربت كلامها. كيف يغار الأب من ابنه؟ لم أصدقها. كان في رأسي أن نجاح الابن يجب أن يفرح أباه. وبدل أن أبتعد، قلت في نفسي: هذه المرة سأكسبه. قررت أن أهديه شيئًا يحبه. وبعد أن ربحت في إحدى الصفقات قلت له: «أعطني سيارتك القديمة.» أخذتها، واشتريت له أحدث وأفخم فئة من السيارة التي كان يحبها، وكانت قيمتها تقارب نصف مليون ريال. أما سيارته القديمة، التي أخذتها على أساس أن أبيعها وآخذ قيمتها، فقد أخذها هو أيضًا. لم أهتم؛ كنت أريد أن أفرحه. لكن حتى هذه لم تغير شيئًا. أعطيه من مالي، ثم أسمعه يقول إن المال ماله، وإنني أخذته منه.

ووصل الأمر مرة إلى ابني. كان صغيرًا، ورأى جده يسبني، فسأله عن السيارة التي أهديتها له. فقال له أبي ما معناه: «أبوك سرقها من مالي ثم أعطاني إياها.» لم أعرف يومها أن ابني حفظ هذه الجملة. كبر، وبعد سنوات حكاها لي كما سمعها. وواصلت أنا العمل، وكنت أظن أن النجاح إذا كبر بما يكفي سيغير شيئًا. لكن في السنة الأخيرة حدثت واحدة من أكبر الخسائر التي عرفناها طوال سنوات العمل. كنا قد حققنا مكسبًا كبيرًا، ثم دخل أبي فيما يسمى في سوق الذهب بـ«الذهب المفتوح»، مراهنًا على انخفاض السعر. لكن السعر أخذ يرتفع والخسارة تكبر.

كنت أترجاه أن يغلق الصفقة. وصل بي الأمر إلى أن أقبل قدميه وأقول: «أرجوك، أغلق الصفقة.» وكان يقول: «لا شأن لك. هذا حقي وهذا ملكي.» ذهبت إلى أمي وطلبت منها أن تتدخل، وحاولنا معه أكثر من مرة، لكنه رفض. وفي النهاية تجاوزت الخسارة أربعين كيلوغرامًا من الذهب. لم تحدث لنا خسارة بهذا الحجم طوال تاريخ عملنا. ومع ذلك، انتهى الأمر عند أبي وكأن شيئًا لم يكن؛ لم يعد يذكرها، ولم يحمل نفسه مسؤوليتها، ولم تتحول إلى قضية تستمر أيامًا أو أسابيع. أغلق الموضوع ومضى. وبقي سؤال في رأسي: لو أنني أنا من تسبب في خسارة كهذه، ماذا كان سيفعل بي؟

ولم أكن بحاجة إلى أن أتخيل طويلًا، لأنني كنت قد رأيت الإجابة في موقف أصغر بكثير. في إحدى المرات ظهر عند الجرد نقص بسيط في الذهب، لا يتجاوز نحو ثلاثمئة غرام. لم يكن أربعين كيلوغرامًا ولا قريبًا منها، ومع ذلك بدأت التهمة فورًا تتجه إليّ. صار يقول أمام الناس والعمال إنني أنا الذي أخذته، وكان يذهب إلى أمي ويكرر لها: «ابنك سرقني. ابنك فعل كذا.» واستمر الأمر أيامًا ثم أسابيع. وكلما رآني ثبت عينيه في عيني كأن الأمر محسوم: أنا الذي أخذت الذهب. كنت قد وصلت إلى مرحلة من التبلد لا أعرف معها ماذا أقول.

وفي أثناء تلك الفترة ذهبت أنا وأمي إلى المدينة المنورة. وكان أبي يتصل بها طوال الطريق، مرة بعد أخرى، ويكرر الكلام نفسه عني: هذا فعل، وهذا سرق، وهذا أخذ. لم يترك الموضوع حتى ونحن بعيدون عنه. رجعنا من المدينة وبقي الأمر كما هو، فقلت له: لماذا لا نعيد الجرد مرة أخرى؟ وأعدنا الجرد. وفي النهاية وجده هو بنفسه. لم أجده أنا حتى يقال إنني أعدته، ولم يكن في مكان أخفيته أو أعرفه. وجده في موضع لم يكن قد خطر لي ولا له، وانتهت القصة في لحظة.

بعد أسابيع من الاتهام، وبعد الكلام أمام الموظفين والعمال والناس، وبعد ما قاله لأمي في كل فرصة، قال بكل بساطة: «لا بأس، لم يحصل شيء.» قلت له: «هكذا؟ بعد كل ما قلته عني، وكل هذه الإهانات أمام الناس؟» فقال: «أنا أبوك، لا بأس.» وانتهى الموضوع عنده. أما عندي فلم ينته بهذه السهولة. لم يكن أكثر ما يؤلمني أنه أخطأ في ظنه؛ الإنسان قد يخطئ. ما كان يؤلمني أنه لم يشعر بما فعلته التهمة بي طوال تلك الأسابيع، ولا بما شعرت به وأنا أُتهم أمام الموظفين والعمال والناس.

أكثر من أربعين كيلوغرامًا تضيع بقرار منه، ثم تمضي الحياة كأن شيئًا لم يحدث؛ ونحو ثلاثمئة غرام تضيع ولا يعرف أحد أين هي، فأصبح أنا المتهم ليلًا ونهارًا حتى يجدها هو بنفسه. كنت أرى ما يحدث، ولا أملك حتى حق أن يكون الميزان واحدًا. وهنا فهمت أيضًا حقيقة أخرى: لا يوجد مدير فوق مدير. كنت أدير العمل، وأتحمل مسؤوليته، وأبني العلاقات، وأتعامل مع التجار والموظفين، لكن القرار الأخير لم يكن قراري. كنت مديرًا ما دام القرار لا يخالف رأي أبي؛ أما إذا خالفه، فلا شأن لي. ومن هنا بدأ القرار الذي انتهى بعد ذلك بخروجي من المحل الأول يأخذ شكله الحقيقي داخلي.

كانت أمي تقول لي: «تحمله. أبوك مريض.» وكنت أحاول أن أفعل. أقول: هذا أبي، وأتحمل. لكنه كان يحملني مسؤولية العمل، وفي الوقت نفسه يستطيع أن يجعلني صغيرًا أمام موظف أو زبون، وحتى أمام ابني. كنت أريد شيئًا أبسط من كل ذلك: أن يكون لي عمل أتحمل مسؤوليته أنا. إذا نجح، أعرف أنني صاحب القرار، وإذا فشل، أعرف أيضًا أن القرار كان قراري. ومع الوقت لم تعد المراقبة تأتي من أبي وحده. قد يكون شخصًا قريبًا أو عاملًا يعمل معي. أذهب إلى مكان ثم أكتشف أن الخبر وصل، وأجلس مع شخص فتصل تفاصيل الجلسة: أين ذهب؟ مع من جلس؟

ماذا قال؟ في البداية كنت أغضب وأشرح وأدافع عن نفسي، ثم تعبت. أدركت أن الشك إذا أصبح عادة لا تنهيه الإجابة؛ كل إجابة تفتح سؤالًا جديدًا، وحتى الصمت يمكن أن يفسر ضدك. ووصلت أحيانًا إلى مرحلة أقول فيها لنفسي: إذا كان يريد أن يشك، فليشك. تعبت من أن أقضي حياتي أحاول أن أثبت براءتي من أشياء لم أفعلها. ثم حدث مع مرور الوقت ما كان أسوأ من الشك نفسه: بدأت أنا أراقب نفسي. قبل أن أذهب إلى مكان أفكر: من سيراني؟ وقبل أن أتكلم أفكر: من سينقل الكلام؟ وقبل أن أجلس مع شخص أفكر: ماذا سيصل عن هذه الجلسة؟ وفي النهاية لم يعد أحد يحتاج إلى أن يراقبني طوال الوقت. كنت قد بدأت أراقب نفسي بنفسي.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل التاسع
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الأول · لم أكن الخادم1,261 كلمة · نحو 7 دقائق

الفصل التاسع

محل بلا ذهب

ألوان القراءة
حجم النص

بعد خروجي من المحل الأول، انتقلت إلى محل آخر في السوق نفسه، وتركت عند هذا الانتقال محل البخور. كان المكان موجودًا: جدران، ديكور، خشب، وواجهة أفتحها كل صباح. لكن ما يجعل محل الذهب محلًا حقيقيًا لم يكن موجودًا. لا رصيد من الذهب، ولا رأس مال أستطيع أن أبدأ به مطمئنًا. كان عليّ أن أبدأ بما بقي لي: معرفتي بالسوق، وعلاقاتي بالتجار، والاسم الذي بنيته خلال السنوات السابقة. وفي تجارة الذهب، الفرق كبير بين أن تعمل ورأس المال خلفك، وبين أن تبدأ يومك وأنت لا تملك البضاعة التي ستبيعها. من يملك المال يستطيع أن يشتري وينتظر، وأن يتحمل تأخير صفقة أو تغير سعر.

أما أنا فكنت أحتاج أولًا إلى أن أحصل على الذهب الذي سأعمل عليه، ثم أفكر بعد ذلك في البيع والربح. قضيت على هذه الحال قرابة سنة. كنت أعيد بناء علاقاتي مع التجار واحدًا بعد الآخر. أتصل بهذا، وأذهب إلى ذاك، وأطلب من آخر أن يعطيني كمية أعمل عليها. بعضهم كان يعرفني ويثق بي، وبعضهم احتجت إلى الوقت حتى يعرفني ويطمئن إليّ. وكان التأخير هو أكثر ما يرهقني. إذا تأخرت البضاعة من جهة، كان هناك تاجر آخر ينتظر مني شيئًا في الجهة الأخرى. فأبدأ بالاتصالات: أهدئ هذا، وأشرح لذاك، وأطلب من ثالث أن يصبر قليلًا، ثم أعود إلى الأول لأعرف أين وصل الأمر.

لم تكن المسألة مجرد شراء وبيع. كنت أحاول أن أحافظ على سلسلة كاملة من الثقة. وأنا لم أكن أملك ترف خسارة هذه الثقة؛ لأنها كانت رأس المال الحقيقي الذي أعمل به. إذا غضب تاجر، لا أختفي عنه. أرد عليه. أشرح له. وأحاول أن أحل المشكلة. وإذا تأخر شخص وعدني بكمية من الذهب، أظل أتابعه، لأن خلفه التزامًا آخر ينتظرني. هكذا كانت الأيام تمر. اتصال وراء اتصال. وتاجر وراء تاجر. وأحيانًا أقضي من يومي في ترتيب ما تأخر أكثر مما أقضيه في البيع نفسه. لكن شيئًا فشيئًا بدأ المحل يتحرك. بدأ بعض التجار يمولونني بالذهب بعدما عرفوني ووثقوا بي.

وأصبح ما أحصل عليه أديره وأعيد تدويره، ثم أبحث عن غيره. المحل الذي بدأ شبه فارغ صار يعمل. ثم صار يربح. وحتى اليوم أقول: لو أخبرت تاجر ذهب يعرف هذه المهنة أن محلًا لا يملك رصيدًا حقيقيًا من الذهب استطاع خلال تلك السنة أن يحقق ما يقارب ما يحققه محل فيه رأس مال وبضاعة، فقد يستغرب. لكنني عشت ذلك يومًا بيوم. لم يكن عندي مال كثير أستند إليه. كنت أستند إلى العمل، وإلى الحركة، وإلى علاقاتي، وإلى ثقة الناس بي. وتعبت في تلك السنة تعبًا لا أنساه. لكن عندما بدأت ثمرة العمل تظهر، تكرر شيء كنت قد اعتدته في حياتي.

أنا أعمل، ثم لا تبقى ثمرة عملي في يدي. كان أبي يريد الربح، وبعد سنة من الجهد والضغط لم يكن يصلني من ذلك كله إلا القليل. اليوم، عندما أرجع إلى تلك المرحلة، أسأل نفسي كيف كنت أقبل ذلك بهذه السهولة. لكنني في وقتها لم أكن أجلس لأحلل ما يحدث. كنت أعمل. وأعطي. ثم أقول: هذا أبي. كان ذلك بالنسبة إليّ أمرًا اعتدت عليه أكثر مما ينبغي. ومع كل ما يحدث، بقي داخلي حلم لا يختفي. البيت. كنت أريد أن أتملك سكنًا لي ولأسرتي. لم يكن البيت عندي مجرد عقار أو دليل نجاح.

كنت أريد مكانًا أستطيع أن أعيش فيه وأنا أعرف أنني صاحب القرار فيه. مكانًا أغلق بابه، فأشعر أن ما وراء هذا الباب لي ولزوجتي وأولادي. كنت أريد شيئًا يشبه الاستقلال. وفي وسط تلك السنة ظهر العم صالح. كنت أعرف أن بينه وبين أبي شراكة ومصالح، وإن كنت لا أعرف التفاصيل من أبي نفسه. كنت أعرف كثيرًا من أموره من أمي أو ممن حولنا، أو أفهمها من طبيعة علاقته بالناس. أما العم صالح فكان رجلًا طيبًا معي. وكان يرى ما أمر به في المحل، ويعرف أنني أعمل من غير رصيد حقيقي من الذهب. وفي يوم قال لي كلامًا لم أتوقعه.

قال إن أبي أخبره أن حلمي هو السكن والتملك. استغربت. لم أتوقع أن يكون أبي قد تحدث معه عن هذا الأمر. ثم قال لي العم صالح: «أبشر يا ولدي.» وقال إن موضوع السكن سيتيسر، وإننا بعد ذلك سنعمل بكميات كبيرة من الذهب. قلت له: «كيف يا عم صالح؟ من أين؟» قال لي: «اسكت.» ضحكت. وسكت. لم أعرف ماذا يقصد، ولا إلى أين يريد أن يأخذني. وبعد فترة جاءني وقال: «هيا، مشينا.» ذهبت معه. وأخذني إلى رجل لم يكن مجرد تاجر آخر في السوق، ولم يكن تاجر ذهب كما قد يوحي سياق القصة.

كان رجلًا من أكبر التجار في الشرق الأوسط، صاحب اسم وثروة وأملاك واسعة، ومن بيت عريق؛ شيخ ابن شيخ ابن شيخ. وكان يحب العم صالح كثيرًا ويقدره. وهنا كانت قيمة العم صالح الحقيقية في تلك اللحظة. لم يأخذني إلى باب لا يعرف صاحبه. كان يعرف الرجل، ويعرف مكانته عنده، والرجل بدوره كان يحب العم صالح ويستجيب له. دخلنا عليه. وأتذكر إلى اليوم أنه كان يخاطبني: «يا ولدي.» تكلم معه العم صالح عن السكن. ولم يحول الرجل الأمر إلى مفاوضة طويلة. كان يملك أملاكًا كثيرة، وطلب منا أن نذهب وننظر فيها ونختار ما يناسبنا.

أنا الذي كنت أقضي شهورًا أفكر كيف أصل إلى بيت، وجدت أمامي فجأة رجلًا يقول لنا ببساطة: اذهبوا واختاروا. ثم جاء الذهب. وفتح لنا فيه الباب أيضًا. لم يعطنا كمية صغيرة نجرب بها ثم نعود إليه. أعطانا كميات كبيرة، وكان المعنى واضحًا: خذوا ما تحتاجون للعمل. في تلك اللحظة شعرت أن بابًا كان مغلقًا أمامي طوال السنة قد فُتح. قبلها كنت أبحث عن الذهب، وأتصل بالتجار، وأنتظر، وأشرح، وأحاول أن أرضي هذا وأهدئ ذاك. والآن أصبح الذهب موجودًا. كأن خزائن فُتحت أمامنا فجأة. وأنا عندما أروي هذه المرحلة لا أستطيع أن أنسبها لنفسي وحدي. كان فضل الله أولًا.

ثم كان فضل العم صالح. ذلك الرجل الطيب لم يكتف بأن يراني أتعب ويقول لي كلامًا طيبًا. أخذني بيده إلى رجل يستطيع أن يغير وضعي، ووقف معي حتى تغير فعلًا. ولهذا بقي له في قلبي مكان خاص. كان المحل للشيخ، وكان الاتفاق والذهب عن طريق العم صالح. أما الشيخ، فبقيت أذكر كرمه إلى اليوم. لم يكن محتاجًا إلينا، وكان يستطيع أن يقول لا وينتهي الأمر. لكنه فتح لنا باب السكن، ثم فتح لنا بابًا أكبر في العمل. ومن هناك بدأت مرحلة مختلفة. الذهب لم يعلمني التجارة. كنت قد تعلمتها بالطريقة الأصعب خلال السنة السابقة.

تعلمت كيف أعمل عندما لا يكون عندي رصيد. كيف أحافظ على علاقة تاجر. كيف أواجه التأخير بدل أن أهرب منه. وكيف أحمي اسمي في السوق. لكن عندما جاء الذهب، اجتمع عندي لأول مرة ما كنت أحتاج إليه: خبرة صنعتها تحت الضغط، ورأس مال يسمح لهذه الخبرة أن تعمل. كبرت التجارة. ولم أعد أقضي الجزء الأكبر من يومي أبحث عمن يعطيني الذهب. صار عندي ما أعمل به. وصار اسم الشيخ نفسه يفتح أبوابًا كانت تحتاج مني قبل ذلك إلى جهد طويل. لكنني كنت أخاف من شيء واحد. أن أعود، رغم كل هذا، إلى الصورة القديمة نفسها: أنا أعمل، وأبي يديرني.

لذلك تكلمت مع العم صالح. قلت له: «أريد منك وعدًا.» قال: «ماذا تريد يا ولدي؟» قلت له بصراحة: «لا أريد أن يكون أبي مديرًا عليّ.» لم أقل إنني لا أريد أبي في الصورة. ولم أطلب أن يقطع العم صالح علاقته به. كنت أطلب شيئًا واحدًا: إذا كنت أنا من سيعمل، فأريد أن يكون قرار عملي بيدي. أن أبيع وأشتري وأتحمل نتيجة ما أفعله. وافق العم صالح. وفعلًا، قرابة سنة استطعت أن أعمل بهذه الطريقة. كنت مرتاحًا. أذهب إلى عملي، أتخذ قراري، وأتحمل مسؤوليتي. ولأول مرة شعرت بشيء لم أكن معتادًا عليه: أن أعمل من غير أن يكون فوقي رجل يسألني عن كل حركة.

كنت أتنفس. لكن أبي لم يبتعد تمامًا. عندما لم يعد يستطيع الدخول بالطريقة القديمة، بدأ يدخل من أبواب أخرى. يؤثر في هذا. ويتحدث مع ذاك. ويتدخل في أمور لم أكن أراها مقبولة. وكان يخفي عني أشياء كثيرة، لكنني في ذلك الوقت لم أكن أريد أن أفتح كل باب. كان همي أن أعمل. بعد سنة كاملة قضيتها أبحث عن الذهب، أصبح الذهب أمامي. وبعد سنوات من البحث عن فرصة حقيقية، أصبحت الفرصة أمامي. أما الشيء الذي بقي أصعب من الاثنين، فهو أن أجد مساحة أعيش فيها تلك الفرصة كما أريد.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل العاشر
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الأول · لم أكن الخادم1,957 كلمة · نحو 11 دقيقة

الفصل العاشر

سأحققه لك

ألوان القراءة
حجم النص

وكانت تجارة الجوالات قد كبرت في تلك الفترة. بدأت بمحل صغير، ثم صار عندي محلان، وكنت أتابع معظم العمل بالهاتف ولا أذهب إليهما إلا نادرًا. رأس المال لم يكن كبيرًا، ومع ذلك كان دخلهما يصل، بلا مبالغة، إلى نحو خمسة أضعاف راتبي. لم تكن التجارة تأخذ مني وقتًا كبيرًا، لكن الغريب أنها كانت تشغل أبي أكثر مما تشغلني أنا. وفي يوم فعل شيئًا لم أكن معتادًا عليه. اشترى لي قهوة من النوع الذي أحبه وقال: «تعال، نذهب نتكلم قليلًا.» مشيت بجانبه، هو يحمل قهوته وأنا أحمل قهوتي، وكان يتحدث معي بهدوء. شيء عادي جدًا بين أب وابنه، لكنه لم يكن عاديًا عندي.

كنت قد كبرت وصارت لي أسرة وعمل، ومع ذلك شعرت في تلك الدقائق بسعادة لا أعرف حتى اليوم كيف أصفها. كنت أحتاج منه شيئًا بسيطًا جدًا: كلمة هادئة، اهتمامًا، أن يمشي إلى جواري ويعاملني كابنه. وبدأ يسألني، بمعنى كلامه: «تحب أبوك؟» قلت: «نعم.» قال: «وتسمع كلام أبوك؟» قلت: «نعم.» ثم قال: «إذا طلب منك أبوك شيئًا، ترفضه؟ تقول له لا؟» قلت: «لا.» كنت قد أعطيته الجواب قبل أن أعرف الطلب. قال إنه يريد مني أن أغلق تجارة الجوالات. لم أفكر في المحلين، ولا في الدخل، ولا في الفرصة التي أمامي. لم أناقشه. وأنا ما زلت معه، اتصلت بالمحلين وطلبت إغلاقهما.

انتهت تجارة كاملة في أقل من نصف ساعة. ولم أندم وقتها. كنت سعيدًا لأن أبي اشترى لي قهوة، ومشى بجانبي، وتحدث معي بالطريقة التي كنت أتمناها منذ طفولتي. كنت أظن أن شيئًا تغير بيننا، لكن الليلة انتهت، وانتهى معها ذلك القرب، وعادت علاقتنا إلى طريقتها القديمة. وكلما تذكرت الجوالات اليوم، لا أتذكر المحلين أولًا. أتذكر ذلك النصف من الساعة. وفي تلك السنوات كان أخي، الفتى الذهبي، في أمريكا. كنت أفتقده بشدة، وكان له في قلبي مكان لا يشبه مكان أحد. كنت أقول أحيانًا إنني أحببته أكثر من أبي وأمي.

أشتري له الساعات الغالية وأحدث الهواتف، وأعطيه المال، وأحيانًا لا أجعل أبي يعرف مقدار ما يصل إليه مني. لم أكن أرى أنني أصنع له معروفًا. كان أخي. وحين عاد من أمريكا، كنت قد وصلت في تجارة الذهب إلى مرحلة مختلفة. كبر العمل، وكبرت علاقاتي، وصار اسمي معروفًا في السوق. أما أخي، فكان يأتي إلى العمل متى شاء ويغادر متى شاء. لم أضع له دوامًا ولم أتعامل معه كموظف؛ كنت سعيدًا فقط بأنه عاد وصار قريبًا مني. وبسبب وضع جنسيته الخليجية كنت أفكر في مستقبله. كنت أستخدم في بعض أعمالي أسماء أشخاص آخرين بحسب الحاجة، وبدأ أخي يسألني: «لماذا تجعل العمل بأسماء غيري؟

هل أنت لا تثق بي؟» لم تكن المسألة عندي مسألة ثقة. كنت أخاف عليه من الدخول في تجارة أعرف ثقلها، لكنه كان يريد أن يكون له شيء باسمه، فأنشأت مؤسسة باسمه ودفعت تكاليفها، وبدأنا نعمل من خلالها، ثم انتقل إليها جزء أكبر من النشاط ودخلنا بها في صفقات مع تجار من أفريقيا. وبعد أن انتهينا من أوراق المؤسسة، جلسنا مرة في السيارة قبل أن ينزل كل واحد منا. قال لي: «تعرف يا أخي، طول عمري وأنا أخو فلان الكبير أو ابن فلان. هذه أول مرة في حياتي يكون فيها شيء باسمي أنا، مسجل، حقيقي، ما أحد يقدر يقول لي اطلع منه.»

فرحت له وقلت: «هذا حقك، وأكثر.» هذا فعلًا ما كنت أريده له. أن يكون له شيء باسمه، ومستقبل يقف عليه بنفسه. ومع الوقت بدأ يدخل أكثر في تفاصيل العمل، وصرت أسافر معه إلى دبي، نشتري بالجملة ونبيع بالجملة، حتى أصبح يدي اليمنى. وكان فيه شيء أتمناه لنفسي: لم يكن يخاف أبي بالطريقة التي أخافه بها. يستطيع أن يتحدث معه ويراجعه، وأحيانًا يقف أمامه ويدافع عني. وكان يعرف عني حلمًا قديمًا. كنت أقول له: «أريد أن أخرج. أريد أن أعمل لنفسي. لا أريد مديرًا فوقي، ولا سطوة، ولا أحدًا يراقب كل خطوة. أريد أن أخسر بحسابي، وأربح بربحي، وأخاطر بقدري.»

ومع اتساع التجارة، زاد ما كنت أعطيه لأبي. أهديه، وأعطي أمي ذهبًا وهدايا، وأحاول أن يصل الخير إلى إخوتي. وإذا أردت أن أعطي إخوتي مباشرة، كان أبي يقول: «أعطني وأنا أعطيهم. ما زالوا صغارًا.» وكان يقول إن المال قد يفسدهم، وكنت أصدقه. ثم جاءت صفقة كبيرة من النوع الذي كنت قد تخصصت فيه، ودخل منها ربح كبير. أخذ أبي أكثر من نصفه، وكان هناك جزء أردت أن يصل إلى إخوتي، فأخذه هو أيضًا وقال إنه سيتولى إعطاءهم. أما ما بقي لي، فصرفته على بيتي الجديد. وكان أبي وأمي يسكنان معي في تلك الفترة، والطابق المخصص لهما لم يكن قد اكتمل تأثيثه.

وبعد أن انتهيت من بيتي، قال أبي أمام أمي كلامًا معناه أن ابنها يكسب كثيرًا ويؤثث بيته بأفضل ما يستطيع ولا يذكرها. فأثثت لها أيضًا، حتى لم يبق معي من ربح الصفقة إلا القليل. ولم أسأل يومها أين ذهب مالي. كنت أقول: أهلي. وكان أخي في الوقت نفسه يريد أن يجهز بيته. رجعت إلى أبي وطلبت منه أن يعطيه من المال الذي كنت قد سلمته إليه أصلًا ليصل إلى إخوتي، أو أن يسلفه شيئًا وأنا أتحمل السداد، لكنه قال إن المال ذهب في العمارة وفي التزامات أخرى. ثم جاءني أخي وقال: «لا تنساني. أريد أن أؤثث بيتي.»

قلت: «كيف أنساك؟ خيري لكم.» فقال إن أبي أخبره بأنه حاول معي أكثر من مرة حتى أعطيهم، وإنني أنا الذي رفضت. قلت له: «هذا غير صحيح.» شرحت له أنني أعطيت أبي نصيبهم، وأن أمي تعرف ذلك. فقال: «إذا كنت تريد أن تعطينا، لماذا لا تعطينا أنت مباشرة؟» رجعت إلى أبي مرة أخرى ولم أصل إلى شيء، فقلت لأخي: «إذا جاء وقت تأثيث بيتك ولم نجد حلًا، أبيع من ذهب زوجتي وأعطيك.» كنت أعني ما قلت. ومن هنا جاءت فكرة صفقة سبائك من الخارج دخلنا فيها وحدنا. قال أخي: «لماذا لا نعمل صفقة بيني وبينك ونتقاسم ربحها؟»

قلت له إن أبي سيعرف، فقال: «أنت لا عليك. أنا المسؤول.» كان هناك تاجر ننتظر منه كمية من الذهب وقد تأخر. أخبرني أخي أنه تواصل مع أخيه، وأنهم يستطيعون تسريع الأمر إذا دفعنا مبلغًا مقدمًا. استغربت أنه تواصل معهم من غير أن يخبرني، فاتصلت بالتاجر بنفسي، وكان أخي عندي ومعنا أحد العاملين الذين كنت أثق بهم. قال التاجر إنه لا يملك السيولة الكافية لشراء الكمية كلها مرة واحدة، وإنه يشتري الذهب قليلًا قليلًا حتى تكتمل. أعطيت الهاتف لأخي. بدأ يلح على الرجل بطريقة لم أعتدها منه؛ كان خجولًا في الأصل وليس من عادته الإلحاح. سأله: «كم ينقصك؟»

قال الرجل إن ما ينقصه يقارب ثلاثمئة ألف دولار. أتذكر الرقم جيدًا. بعد المكالمة حذرت أخي. قلت له إن دفع المال مقدمًا قد يجعل التاجر يماطل أكثر، وإن الأفضل أن ننتظر حتى يصبح الذهب جاهزًا. لكنه أصر، وظل يقول إنه المسؤول. وفي اليوم التالي اتفق معهم على مئتين وثلاثين ألف دولار. تم تحويل المبلغ، وهو الذي وقع على السند، وبقي السند عندي. ثم حدث ما كنت أخشاه. تأخر الذهب، واقترب موعد الجرد. كنت أعرف ماذا يعني أن يجلس أبي للجرد ويجد مبلغًا بهذا الحجم قد خرج ولا يرى مقابله ذهبًا أمامه. ظهر القلق عليّ، أما أخي فقال إنه سيتولى الأمر.

أخذ الأوراق والحسابات وذهب إلى أبي، وراجع معه الجرد وأخفى العجز فيه. وبجرأة لم تكن عندي، استطاع أن يخرج بنا من ذلك الموقف من غير أن يتحول إلى فضيحة. وبعد أيام نظر إليّ أبي وقال: «مالك؟ لست طبيعيًا.» قلت: «لا، عادي.» وسكت. وهنا أقولها كما حدثت: أخي وقف معي ذلك اليوم. هو الذي أخذ الأوراق، وهو الذي ذهب إلى أبي، وهو الذي واجه الشيء الذي كنت أخاف منه. وهذه شهادة حق له مهما حدث بعد ذلك. أما الذهب فلم يصل بعد، ودخلت في أشهر من الاتصالات والقلق. أتصل بالتاجر، ثم بأخيه، ثم من جهة أفريقيا، ثم عن طريق دبي، وأعود من جديد.

كنت أتكلم على الهاتف حتى تسخن أذني من كثرة المكالمات. قل نومي، ولم أعد أفكر في الربح. كنت أريد أن يصل الذهب فقط. وفي النهاية دخل تاجر ثالث وسيطًا، وتحركت الأمور حتى وصل الذهب إلى مطار جدة. استلمناه، وأعطينا التاجر حقه، وأغلقنا الحسابات. قلت لأخي: «الآن خذ ما تريد، لكن القلق الذي أدخلتني فيه لن تعرفه. أنت لست مثلي. أنا أخاف، وأتمنى لو عندي ربع شجاعتك.» أخذ أخي نصيبه، وجهز بيته كما يريد، واشترى السيارة التي كان يتمناها. رأيته سعيدًا ففرحت له. لم أجلس أحسب كم أخذ وكم بقي لي؛ كنت أريد أخي أن يستقر.

ولم يطل الوقت حتى شعر أبي بأن هناك صفقة حدثت. جاءني بكلام هادئ معناه: «كيف تنسى أباك؟» فذهبت وفتحت له حسابًا في البنك، ووضعت فيه مبلغًا كبيرًا. أذكر أنه قال إنه لم يكن لديه من قبل مبلغ خاص به في حساب بهذه الصورة. أعطيته البطاقة وجلست أعلمه كيف يستخدم جهاز الصراف. وعندما جاء وقت الرقم السري، أخفى يده حتى لا أرى ما يضغطه. ما زلت أذكر ذلك المشهد: أنا الذي وضعت المال في الحساب، وهو يخفي عني الرقم. ولم يزعجني. كان المهم عندي أن يكون راضيًا. مرت الشهور. وفي يوم لم يأت أخي إلى العمل.

اتصلت به فوجدت هاتفه مغلقًا. انتظرت ولم يظهر، وعرفت أنه لم يعد إلى بيته، وكانت زوجته في مدينة أخرى. بدأ خوفي عليه يكبر. لم يخطر في بالي أنه يفعل شيئًا ضدي؛ كنت أفكر فقط: أين ذهب؟ وهل حدث له شيء؟ في النهاية اتصلت بأبي في القرية. قال: «لا تخاف. أخوك عندي.» استغربت. متى ذهب؟ ولماذا لم يخبرني؟ لكن أول ما شعرت به كان الراحة. أخي بخير. وعندما عاد سألته: «لماذا فعلت هذا؟ لماذا سافرت من غير أن تقول لي؟» قال: «أنا لا أنام، أخي، أنت تعرفني: أنا رجل أخاف الله، أخاف أن أموت.

حلمت أني سأموت، وكان هذا الشيء في رقبتي.» كان يقصد موضوع الصفقة والجرد، وأنه شعر أنه يجب أن يخبر أبي. سمعته ولم أتهمه. قلت لنفسي: ربما خاف فعلًا، وربما أراد أن يريح ضميره. وبعد أيام ذكر أبي ذلك الجرد القديم، ثم قال لي: «زورت الجرد كعادتك من صغرك، مزور، وتريد أن تعلم أخاك قذارتك.» وقفت عند الجملة. أنا الذي كنت خائفًا من الجرد أصلًا؟ عرفت أن شيئًا قيل بينهما، لكنني لم أكن حاضرًا، ولم أعرف بالضبط ماذا قال أخي، ولا كيف وصلت القصة إلى أبي بهذه الصورة. ضايقني ما سمعت، لكنني لم أتهم أخي.

قلت ربما أبي فهم الكلام بطريقته، وربما أخي لم يعرف كيف يشرح. وجدت له عذرًا، ثم عذرًا آخر، وأكملت معه. مرت أشهر أخرى، وجاءت صفقة أخيرة تقاسمتها مع أخي ولم يعرف أبي عنها شيئًا. بعدها عدت إلى الحلم الذي يعرفه عني منذ سنوات. قلت له: «أريد أن أخرج.» هذه المرة لم أقلها كأمنية بعيدة. كنت قد تعبت. قضيت سنوات أبني، وأخرج من مكان ثم أبدأ من جديد. عملت سنة كاملة في محل لا يكاد يوجد فيه ذهب، ثم وصلت إلى مرحلة صار الذهب فيها أمامي بكميات كبيرة. صار لي اسم وبيت ومال وعلاقات، لكن حلمي بقي كما هو: أن أعمل لنفسي، وأن يكون قراري بيدي.

نظر إليّ أخي وقال: «سأحققه لك.» لا أعرف على وجه اليقين كيف تم إقناع أبي بكل التفاصيل، ولا أريد أن أملأ فراغًا لا أعرف حقيقته. كل ما أعرفه أن باب الخروج فُتح أمامي أخيرًا. لكنني لم أكن أريد أن أهرب. كنت أريد أن أخرج وكل شيء خلفي واضح: لا حساب مفتوح، ولا حق لرجل عندي، ولا كلمة يستطيع أحد أن يلحقها باسمي بعد ذلك. اتفقنا على جرد أخير. كل شيء يُحسب، وكل إنسان يأخذ حقه، ثم أخرج. وبدأ أبي يتصل بالتجار واحدًا واحدًا، يسألهم عن الحسابات والذهب، ويتأكد بنفسه، ويخبرهم أنني خرجت من العمل.

وفي بعض المكالمات كنت أشعر أن طريقته لا تقف عند التأكد من الحساب، وكأن في كلامه أيضًا تحذيرًا مني. كان ذلك يضايقني، لكنني لم أعد أريد معركة. قلت: ليتصل بمن يريد، وليسأل من يريد. المهم أن أنتهي. أنهيت حساباتي مع التجار الخارجيين، وسلمتهم حقوقهم كاملة، ووقعوا وبصموا. ثم سلمت العمل لأخي. انتهى الشيء الذي كنت أنتظره منذ سنوات. والغريب أنني لم أشعر بالفرحة التي كنت أتخيلها. لم أشعر أنني انتصرت. كنت فقط هادئًا. وفي مساء ذلك اليوم كنا مجتمعين في البيت. قال لي أخي أمام أبي: «بالله عليك، كم مرة في حياتك سافرت في إجازة؟

يجب أن ترتاح، تستحق ذلك. لم تذهب إلى ديرتك ولا مرة لتراها.» ظل يقنعني. كنت أعرف السفر إلى دبي، وإلى تاجر، وإلى صفقة، وإلى ذهب. أما أن أسافر فقط لأرتاح، فلم أكن معتادًا على ذلك. وحتى بعد أن سلمت كل شيء، كنت مترددًا في الابتعاد. ثم قلت لنفسي: ماذا بقي؟ أنهيت الحسابات، وسلمت الحقوق، وسلمت العمل لأخي. فسافرنا أنا وزوجتي وأولادي، وأبي وأمي، إلى ديرتي. لم تمر سوى ثلاثة أيام. كنت في غرفتي في القرية عندما رن الهاتف. كان أخي. رددت. قال: «الشرطة دخلت المحل. حدثت مشكلة. قبضوا علينا، ويحققون معنا في أمور قد تنهي مستقبلنا.» ثم قال: «وأخذوا الذهب.»

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل الحادي عشر
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الأول · لم أكن الخادم2,026 كلمة · نحو 11 دقيقة

الفصل الحادي عشر

صفرًا، ولكن حرًا

ألوان القراءة
حجم النص

لم يكن أول ما سألت عنه الذهب. كان خوفي على إخوتي. قال أخي إن الشرطة دخلت المحل، وإنهم قبضوا عليهم، وإن التحقيق لم يعد متعلقًا بالعمل وحده، بل بدأ يدخل في أمور أخرى قد تمس مستقبلهم كله. طلبت منه أن يعطي الشرطة ما تريد، وأن يحافظ على نفسه وعلى أخي الآخر، ثم سألته: «التسجيلات والمستندات موجودة معك؟» قال: «نعم، كل شيء موجود.» قلت: «أنا آت إليك. لا تخاف.» قال بسرعة: «لا تأتِ. إذا أتيت ستصبح المشكلة أكبر.» قبل ثلاثة أيام فقط كنت قد خرجت من العمل وسلمت كل شيء.

سافرت وأنا أحاول أن أصدق أن سنوات الذهب والجرد والحسابات انتهت أخيرًا، ثم جاء هذا الاتصال. أردت أن أرجع وأعرف بنفسي ماذا حدث، وكيف دخلت الشرطة، ولماذا أخذوا الذهب. تحركت للعودة، وفي الطريق اتصل بي أبي وقال بصرامة: «ارجع الآن فورًا.» رجعت، لكن رأسي بقي هناك. لماذا يقول أخي لا تأتِ؟ ولماذا يأمرني أبي أن أرجع؟ وما الذي يمكن أن يجعل مجرد حضوري مشكلة أكبر؟ وكان لدي سبب آخر للرجوع: الجرد كان قد انتهى، وبقيت نسبتي المتفق عليها من آخر السنة. كان المفترض أن أعود من الإجازة وآخذ حقي الذي كنت أعتبره موجودًا ومحفوظًا، ثم أبدأ حياتي الجديدة.

لكن الذي حدث قلب الصورة كلها. أخبرني أخي أن الشرطة لم تأخذ كل ذهب المحل، بل أخذت الذهب الخاص بآخر عملية كنت قد أبرمتها قبل خروجي، وكان لا يزال موجودًا عنده. ولأن تلك العملية كانت من مسؤوليتي، صار الكلام بعد ذلك أن الذهب قد أُخذ، وأن قيمته يجب أن تُسدَّد، وأنني أنا المسؤول عنها. كنت أعود وأنا أتوقع أن آخذ حقي، فوجدت نفسي مطالبًا بأن أدفع. حاولت أن أستعين بصديق يعمل في الشرطة حتى أفهم ما حدث، لكن القصة كما كانت تصلني لم تكن تركب على بعضها.

وحين عرف أخي أنني ما زلت أفكر في الذهاب بنفسي والسؤال، قال إنني إذا عاندت وذهبت فقد لا أراه هو وأخي الآخر إلا مرحَّلين من البلد، وإنهم تعرضوا لإهانة وسط السوق وكأنهم عصابة، وإن مجرد تدخلي قد يجعل الأمر أخطر عليهم. لو كان الأمر يخصني وحدي لذهبت، لكنني خفت عليهما فسكتُّ. وبعد عودتي من الإجازة، أخذني أخي إلى مطعم فاخر. جلس أمامي بهدوء وقال: «مالك يا أبو علي؟ في عملنا قد يحدث هذا. كلها أشهر، وأنا مسؤول عنها. ثق بي أنني سأغطيها. أنت لا تفكر ولا تحمل همًا.» نظرت إليه وأنا أحاول أن أجمع الكلامين في رأسي.

كان مجرد ذهابي، بحسب كلامه، قد يؤدي إلى ترحيلهم، والآن أصبحت المسألة أشهرًا، وهو مسؤول عنها وسيغطيها. لم أفهم، لكنني كنت قد تعبت. لم أعد أريد ذهبًا ولا تحقيقًا ولا حسابًا جديدًا يُفتح أمامي. كنت أريد أن أخرج فقط. قلت له إنني لن أسأله عن الموضوع. وبعد ذلك، كلما عاد الحديث إليه، كان يؤكد لي أنه غطاه وأن الأمر انتهى. كنت أريد أن أصدق أن الباب أُغلق، لكنه لم يُغلق. بدأ أبي يطالبني بقيمة الذهب الذي قيل إن الشرطة أخذته، ويتصرف كأنه محصّل لهذا المال. «الناس يريدون حقهم.» «لازم نسدد.» «ماذا فعلت؟» «بسرعة.» «الآن.» وكنت أستغرب: من هؤلاء الناس؟

ولماذا أبي هو الذي يجمع المال أصلًا؟ الذهب لم يكن ملكه؛ كان ذهبًا مرتبطًا بالعمل والأمانات والحسابات، ومع ذلك دخل في الموضوع وكأنه صاحب الحق، وكأن عليه أن يأخذ مني المال بنفسه ويسدده. لم تكن رواية «الناس يريدون حقهم» تقنعني بهذه البساطة. أنا أعرف أبي وأعرف طريقته مع المال. وكنت أعرف أيضًا أنه إذا بدأت الفوضى، يعرف كيف يتحرك داخلها بسرعة. وكان الأسبوع الأول هو الأسوأ. أبي كان يسكن فوقي مباشرة، طابق واحد فقط بيننا، وعند باب بيتي جرس، لكنه في تلك الأيام لم يكن يستخدمه. كان ينزل ويضرب الباب برجله، ضربة وراء ضربة، كأن أحدًا يريد أن يكسره.

ومن صوت الباب وحده يعرف أهل بيتي من الذي جاء. بنتاي كانتا تخافان؛ أحيانًا تبدأان بالبكاء قبل أن أفتح الباب، وابني علي، عندما يعرف أن جده نزل، يدخل غرفته ويغلق الباب على نفسه. يدخل أبي وهو يرفع صوته: «ماذا فعلت؟ أين المبلغ؟ دبّرت؟ أنت ما تفهم؟» وأقول له: «طيب، خفّض صوتك.» فيرد: «أقول لك بسرعة! الناس يريدون حقهم. روح تصرف. الآن. الآن فورًا.» وكأن المصيبة واقفة عند الباب. وأحيانًا يلتفت إلى بناتي وهن يبكين ويقول لهن: «كلموا أبوكم. قولوا له يسدد. قولوا له يخلّص.» كان يعرف أن رؤيتي لهن خائفات تكسرني أكثر من صوته.

وفي مرة قال له علي ببراءة: «يا جدي، بس أبوي اشترى لك سيارة، وكان يعطيك.» فرد عليه أبي: «لا. أبوك كان يسرقني، وبعدها يعطيني.» كان ابني صغيرًا؛ لا يعرف شيئًا عن الذهب ولا الجرد ولا من يملك ماذا. لكنه كان يسمع جده يقول له إن أباه يسرقه، وكنت أخاف أن تكبر في رأسه صورة عن أبيه صنعها له شخص آخر. وإذا خرجت من البيت، صرت أنظر إلى سيارته: هل ما زالت موجودة؟ هل خرج؟ هل أستطيع أن أذهب وأعود من غير أن أجده عند أولادي؟ وأحيانًا أظن أنه ذهب، ثم تتصل بي زوجتي: «أبوك هنا.»

ويقول لها: «اتصلي على زوجك. متى سيأتي؟ قولي له يرجع بسرعة.» فأرجع وأجده ينتظرني، وتبدأ الجولة من جديد. صار كأن له دوامًا في بيتي: صباحًا ينزل، ومساءً يعود، ويتصل وينتظر، قبل أن أستوعب ما حدث في المرة السابقة. حتى اتصلت بأخي وقلت له: «يا أخي، تعال. كلمه. أنت تعرف له. ساعدني.» قال: «لا تفتح له. اتركه. مالك فيه.» قلت: «كيف ما أفتح؟ ما أقدر. كسرني يا أخي. أحرق بيتي.» لم أكن أتكلم عن الباب؛ كنت أتكلم عن بنتين تبكيان، وولد يدخل غرفته، وزوجة تنتظر ماذا سيحدث، وجيران قد يسمعون الصراخ. أبي كان يجيد الفوضى، وأنا لم أكن أجيد مواجهتها.

كنت أريد أن يهدأ البيت، ولهذا كنت أعطيه. يأخذ المال ويخرج، فأقول: انتهينا. ثم يعود، فأعطيه مرة أخرى، ويعود، حتى خرج مني أكثر من ربع مليون. والمبلغ الذي كنت قد احتفظت به لأبدأ به حياتي الجديدة أخذ ينقص بسرعة. ومع ذلك لم أكن خائفًا من أن ينتهي مالي. كنت أعرف نفسي عندما أعمل؛ أعرف كيف أبحث عن فرصة، وكيف أدخل مجالًا وأتعلمه، وكيف أبني علاقاتي بنفسي. بدأت من الصفر من قبل، وأستطيع أن أبدأ منه مرة أخرى. المال يمكن أن يعود. الذي كنت أريده هو أن تتوقف هذه الحياة داخل بيتي. ثم جاءت السيارة.

كانت أمي تحاول أن تحذرني بعيدًا عنه وتقول: «انتبه.» وعندما طلب السيارة حاولت أن أؤجل، فعاد الأسلوب نفسه. جلس فوق رأسي، حرفيًا: «سأبيع كل سياراتنا. هذا لن يكفي. الناس يريدون حقهم. يلا خلّص.» نفس الصوت، ونفس العجلة، ونفس الإحساس بأن الأمر لا يحتمل حتى صباح اليوم التالي. قلت له بمعنى واضح: سأبيع السيارة، لكن بيتي لا تدخله بهذه الطريقة مرة أخرى. لا أريدك أن تضرب الباب عليّ، ولا أن تجلس في بيتي تنتظرني، ولا أن يعيش أهل بيتي هذا الخوف. وعندما رآني جادًا، صار أكثر استعجالًا: بع، خلّص، الآن. بعت السيارة. لم أبعها لأنني اقتنعت بالحساب.

السيارة أستطيع أن أشتري غيرها. كنت أريد فقط أن أغلق الباب. قلت في داخلي: خذها، لكن اخرج من بيتي. ولم تكن السيارة النهاية. وصل الأمر إلى ذهب زوجتي وبناتي، وهنا كان القهر من نوع آخر. المال مالي، والسيارة سيارتي، وأنا أستطيع أن أقرر أن أتنازل عنهما. أما زوجتي، فما علاقتها بكل هذا؟ لم تدخل صفقة، ولم توقع سندًا، ولم تجلس في جرد، ولم تأخذ من أحد شيئًا. عاشت معي وخدمت أبي وأمي واحترمتهما سنوات، ثم وجدت نفسها مطالبة بأن يدخل ذهبها وذهب بناتها في قصة لم تكن طرفًا فيها. طلب الذهب بحجة أنه سيباع لتغطية الخسارة، وقال إن ذهب أمي وإخوتي سيباع أيضًا.

وخرج ذهب زوجتي وبناتي. هناك شعرت أن ما يحدث لم يعد يأخذ مني وحدي؛ صار يأخذ من بيتي. ولم يتوقف عند المال. كان يأتيني ويقول عن زوجتي: «خائنة. كاذبة. تنقل أخبارك. اتركها.» ثم عرفت أنه يذهب إليها في الجهة الأخرى ويقول لها: «اتركيه. أنا أصرف عليك وعلى الأولاد.» يقول لي كلامًا عنها، ويقول لها كلامًا عني. ولو صدقته هي أو صدقته أنا، لما بقي البيت الذي كنت أحاول أن أحميه أصلًا. هناك عرفت ما الذي لا أريد أن أخسره: زوجتي، وأولادي، وبيتي. ثم خرجت المعركة من البيت إلى السوق.

بدأ أبي يتصل بالتجار الذين يعرفونني؛ يحذر هذا مني، ويحدث ذاك عن الأموال، ويتكلم عن السرقة والخيانة. وصار بعض الناس يتصلون بي مستغربين: «ماذا حدث؟ لماذا يقول أبوك عنك هذا الكلام؟» أنا لم أبنِ مالًا فقط خلال تلك السنوات؛ بنيت اسمًا. دخلت السوق وأنا لا أملك شيئًا تقريبًا، وعرفني الناس صفقة بعد صفقة: هذا عرفني من طريقة سدادي، وذاك وثق بكلمتي. هذا الاسم لم يعطني إياه أحد. بنيته أنا. ومع ذلك، الذين عرفوني فعلًا لم يغلقوا أبوابهم. بقي كبار التجار مستعدين للعمل معي، وبعضهم أرادني أن أرجع إلى الذهب. وكان بإمكاني أن أرجع؛ كانت عندي الخبرة والعلاقات، والعمل أمامي.

لكنني كنت قد اتخذت قرارًا في داخلي: لن أرجع إلى الذهب. كرهته. كرهت الجرد والحسابات والخوف والصراخ والاتهامات التي أصبحت تمشي معه أينما ذهب. ذلك الشيء الذي قضيت سنة كاملة في بداية حياتي أبحث عنه ولا أجده، صار بعد سنوات أمامي، وأنا الذي لا أريده. ثم جاء الهاتف. وقد يبدو شيئًا صغيرًا بعد المال والسيارة والذهب، لكنه بالنسبة إليّ لم يكن جهازًا فقط. كان عليه رقمي الذي عرفني به الناس سنوات، وأرقام التجار، والعلاقات التي بنيتها، وأشياء وخصوصيات تخصني. أراده أبي. قلت له: «خذ الشريحة.» رفض. أراد الهاتف معها. قلت له إن كان يريد الرقم فليأخذ الشريحة، وإن الهاتف فيه أشياء تخصني.

لم يهمه. أخذ الهاتف والرقم، وأصبحت مطالبًا بأن أشتري هاتفًا آخر وأبدأ برقم آخر. وقفت وقتها أمام ما خرج من حياتي في فترة قصيرة: المال، والسيارة، وذهب زوجتي وبناتي، ومحاولة تشويه اسمي عند التجار، ثم الهاتف والرقم. لكنني لم أكن أرى نفسي في هذه الأشياء. كنت أعرف أنني أستطيع أن أعمل من جديد، وأن أبني علاقات جديدة، وأن أصنع المال مرة أخرى. المشكلة لم تكن أنني سأصبح صفرًا. المشكلة كانت: هل سأحصل أخيرًا على فرصة أبدأ فيها من غير أن تعود الفوضى خلفي؟ وفي مرحلة ما أصبحت الجملة في داخلي بسيطة: خذ ما تريد، لكن اخرج من حياتي.

لا تعد غدًا إلى بيتي. لا تجعل بناتي يبكين. لا تجعل عليًّا يختبئ عندما يسمع أنك نزلت. لا تجعل زوجتي تتصل بي وتقول: «أبوك هنا.» كنت أريد أن ينتهي كل ذلك. واليوم، عندما أنظر إلى نفسي في تلك الفترة، أستغرب مقدار الخوف الذي كان في داخلي منه. لو عاد بي الزمن بعقلي الذي أملكه اليوم، لما سمحت لتلك الفوضى أن تتجاوز باب بيتي أصلًا. لكنني يومها لم أكن الرجل الذي أنا عليه اليوم. كنت رجلًا عنده زوجة وأولاد وعمل، لكن شيئًا من الطفل القديم كان ما زال يعرف صوت أبي، ويعرف ماذا يحدث داخلي عندما يرتفع ذلك الصوت.

وفي النهاية قلت له بوضوح إنني أريد منه أن يتركني أنا وعائلتي وشأننا. لا أريد منه شيئًا، ولا أريد أن يدخل بيتي بهذه الطريقة مرة أخرى. وعدني. ثم خرج وهو غاضب، يدعو عليّ، ويحذر أمي وإخوتي وأخواتي مني، ويقول لهم إنني مجرم. ووصل الأمر إلى أن منعهم من دخول بيتي. لم يكن غضب يوم وانتهى. أمي نفسها كانت تسكن فوقي مباشرة، في الشقة التي تعلو شقتي بطابق واحد فقط، ومع ذلك مر ما يقارب خمس سنوات وهي لا تدخل بيتي. طابق واحد بيننا. أحيانًا أعرف أنها فوقي، وأسمع حركتها، وأعرف أن أمي على بعد أمتار مني، لكنها لا تنزل إلى بيت ابنها.

وإخوتي أيضًا ابتعدوا تحت الخوف والتحذير نفسه. لم أكن أتخيل أن خروجي من الذهب سيصل بي إلى هذه الصورة. كنت أتصور أنني سأخرج، آخذ نسبتي، وأبدأ حياتي. لم آخذ نسبتي. وبدل أن آخذ حقي، وجدت نفسي أدفع. ذهب المال، وذهبت السيارة، وخرج ذهب زوجتي وبناتي، وفقدت الهاتف والرقم، وأبي يتحدث عني في السوق، وأمي تعيش فوقي ولا تدخل بيتي. ومع ذلك، حدث شيء لم أتوقعه: هدأ البيت. في البداية لم أنتبه إلى الهدوء. ثم بدأت أشعر به. الباب لم يعد يهتز. زوجتي لم تعد تتصل بي لتقول إن أبي ينتظرني. الأولاد لم يعودوا يترقبون الجولة القادمة.

جلست في بيتي مع زوجتي وأولادي، وشعرت بشيء بسيط جدًا، لكنه بالنسبة إليّ كان أغلى مما خرج من يدي كله: الأمان. هناك فهمت أنني لم أكن أدفع لأنني مقتنع بأن المال حق أبي، ولم أكن أدفع لأنني أخاف الفقر. كنت أدفع ثمن خروجه من حياتي. المال يمكن أن يعود، والسيارة يمكن أن تعود، والعمل يمكن أن أبنيه مرة أخرى. أما العمر الذي يضيع في الخوف فلا يرجع. ولهذا لم يعد الصفر يخيفني. كنت مستعدًا أن أصبح صفرًا. صفرًا، ولكن حرًا. لم تكن بطولة. كنت متعبًا، وأريد أن أتنفس فقط. لكنني كنت أعرف أنني إذا خرجت من تلك الدائرة أستطيع أن أبني نفسي من جديد.

كنت قد قلت لأخي سنوات إن حلمي أن أخرج، وهو الذي قال لي في النهاية: «سأحققه لك.» تحقق الحلم، لكن ليس بالطريقة التي تخيلتها. كنت أظن أنني سأخرج ومعي نسبتي وثمرة السنوات التي قضيتها في العمل. خرجت وأنا أخف بكثير مما توقعت. لكنني خرجت. وظلت أبواب الذهب مفتوحة أمامي، وأنا الذي رفضت أن أدخلها. لم أكن أعرف يومها أي عمل سأذهب إليه بعد ذلك، ولا أين سيأخذني الطريق. لكنني كنت أعرف أنني سأعمل، وأنني سأقوم من جديد. وكنت أعرف شيئًا واحدًا أكثر من أي شيء آخر: لن أعود.

السابقالفهرسالتالينهاية الجزء الأول
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل الثاني عشر
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الثاني · لم أكن الخادم1,503 كلمة · نحو 8 دقائق

الفصل الثاني عشر

أعطني حريتي

ألوان القراءة
حجم النص

بعد أن ابتعد أبي، وابتعد معه هذا الصراخ والفوضى والصياح، عشتُ نحو عشرة أيام ما زلتُ أذكرها كأنها استراحة جاءت متأخرة سنوات. لم أذهب إلى مكان، ولم أبحث عن عمل. بقيتُ في بيتي مع زوجتي وبناتي: ألعب معهن، أضحك حتى أنسى نفسي، أشرب قهوتي، أشاهد التلفاز، وأنام من غير أن يوقظني أحد أو ينتظر مني شيئًا. أردتُ أن أجرّب معنى الهدوء، ولا شيء غير هذا الهدوء. حتى الهاتف لم يعد معي. أخذه أبي، ومعه الأرقام التي صاحبتني سنوات طويلة. ربما أراد أن يقطعني عن الناس، لكنه، من غير أن يقصد، قطع عني ضجيجًا لم أعرف حجمه إلا بعدما سكت.

كنت أعرف ذلك الهاتف وهو لا يهدأ: سعر الذهب، طلبية، بضاعة، حساب، التزام، زبون، مشكلة. أصحو عليه، وأنام وهو قريب مني كأنه عضو زائد في جسدي، وأسافر ورأسي مثقل بما تركته خلفي. أما الآن، فلا شيء. وفي تلك الأيام عرفتُ كم كنتُ أحتاج إلى هذا الهدوء. لا أستطيع وصف ذلك الشعور والسكينة؛ لم أكن أعرف ذلك من قبل. بعد تلك الأيام بدأتُ أفكر في الخطوة المقبلة، وفي كيف سأُعيل عائلتي. ولا أخفيكم، ما تركه أبي في داخلي من كلام كان يتردد فيّ: لن تفلح، لن تنجح، مصيرك أن تكون شحاذًا، أو أن ترجع إلى تحت رِجلي.

شيء واحد كان واضحًا عندي: لن أعود إلى هذا المجال، مجال الذهب. خاصة بعدما رأيتُ وسمعتُ أبي يحذّر الناس في السوق مني، وكأنني أُعِدّ العدّة للعودة إلى الذهب من جديد. ولم يكن يعرف أنني خرجت من الذهب في داخلي قبل أن أخرج منه في الواقع. دبي. كنت أعرفها من خلال سفراتي الكثيرة إليها، ولي فيها أصدقاء ومعارف. قلت: أذهب، أرى من أعرف، ومن هناك أرسم حياتي الجديدة. وقبل أن أفكر كيف سأسافر، رجع أبي يدق باب البيت بصوته العالي. فتحتُ، فقال لي: «هل تعرف الآن أنك خارج العمل، وأن الكفيل لا يريدك على كفالته؟ انقلها هذين اليومين.»

كان يعتقد أن لا أحد سيقبلني، أو أنني لن أستطيع النقل. ووقتها فعلًا اكتشفتُ أنني لم أخرج بعد. كنتُ ما زلتُ على كفالة رجل يديره أبي، بل إن أبي هو من كان وراء تلك العلاقة منذ أولها. ذهبتُ إلى مكتبه، فقالوا إنه نقل مكتبه إلى دور جديد علوي. طلعتُ، ودخلتُ. صار معه سكرتير، استأذنته للدخول، فقال: انتظر، عنده أحدٌ في الداخل. جلستُ أنتظر. طال الحديث بينهما، وكنتُ أسمع الضحك من خلف الباب. كنتُ متوترًا: ماذا سأقول له؟ كيف سأخبره؟ وما ستكون ردة فعله؟ بعد مدة خرج الرجل، فنهضتُ ظانًا أن دوري جاء. لكن السكرتير أعادني إلى مقعدي.

وبعد وقت طويل أخبرني أن الرجل مشغول، ولن يقابلني في ذلك اليوم. عدتُ في اليوم التالي قبل وصوله بقليل، وانتظرتُ سيارته عند الباب. وما إن نزل منها حتى قصدتُه مباشرة. قلت له باختصار إنني تركتُ عملي، وأريد أن أبدأ من جديد، وأحتاج أن أُنهي وضعي عنده. قال لي: مبروك. ثم قال: «خلي أبوك يكلمني.» قلت له: وما دخل أبي؟ أخبرني — أأنت من أمرتَ بذلك؟ ردّ: أنا مشغول. لم يقل أكثر من ذلك. وعرفتُ أنه ليس مشغولًا، وأن وقته فاضٍ. لكن الجملة كانت كافية لتعيدني إلى المكان الذي ظننتُ أنني خرجتُ منه وتحررتُ منه.

لم يكن عندي هاتف، فاشتريتُ جهازًا وشريحة جديدة، واتصلتُ بأبي. رد لأنه لم يعرف الرقم. وحين عرفني، تغيّر صوته على الفور. قلت له إنني لا أريد منه شيئًا سوى أن يكلّم الكفيل لنقل كفالتي. تصرّف كأنه لم يسمعني، وبدأ يصيح ويدعو عليّ أن أُسخَط أو أُحرَق، أو يحصل لي مكروه، كما اعتاد أن يفعل. أبعدتُ الهاتف عن أذني حتى سمعتُه يتوقف، فكررتُ عليه ما قلته، فعاد إلى الشريط نفسه، ثم أقفل الخط. رجعتُ إلى الكفيل، فسألني: ماذا قال لك؟ ثم قال: «أبوك يكلمني.» ومن تلك الجملة الواحدة، بدأت أيامٌ ثم أسابيع، ولا أعرف كيف ستنتهي.

بعد محاولات قال: سأخبره. ودخلتُ في هذه الدوّامة. أبي يقول إنه سيتصل، والكفيل يقول إنه لم يتصل. أرجع إلى أبي، ثم أعود إلى المكتب. وفي كل مرة أظن أن الأمر اقترب من نهايته، أجد نفسي في النقطة نفسها. طلبتُ من أمي أن تساعدني. ثم لجأتُ إلى العم صالح، رحمه الله. قلت له إنني لم أعد أطلب شيئًا من أبي. لا مالًا، ولا عملًا. وهو من قال لي: انقل كفالتك. والآن أريد فقط أن يتركني أمضي في طريقي. كلّم أبي، ثم أخبرني أن الموضوع سينتهي في اليوم التالي. انتظرت. لم يحدث شيء. بل غضب أبي لأنني أدخلتُه في الأمر.

قلتُ له: «أنا تعبت. أعطني حريتي وخلاص.» فقال لي بما معناه: ابحث أولًا عمّن يقبلك، ومن الذي سيكفلك؟ لجأتُ إلى صديق يعرفني معرفة سطحية. شرحتُ له وضعي، فوافق من غير تردد. لم يطلب مني أن أبرر تاريخي أو أدافع عن نفسي. قال إنه مستعد. ظننتُ أن المشكلة انتهت. لكن أبي بدأ يسأل: من هذا؟ كيف وافق؟ ماذا قلتَ له؟ وماذا يعرف عنك؟ وهل أخبرته عن تاريخك وإجرامك؟ رددتُ مباشرة: نعم، يعرف أنني مجرم وسارق. ثم اشترط إحضاره لكي يُخلي مسؤوليته، وإلا قال إنني لم أخبره. انصدمتُ من كلامه، وقلت له: ما شأنك؟ وهل تعي ما تقول؟

ردّ بصوت عالٍ: نعم، هل تعرف أنك تحمل، للأسف، اسمي؟ قلت له: وما دخل اسمك باسمي؟ سكت، وعرفتُ أنني لن أصل معه إلى حل. أعذار لا تنتهي، من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادئ. رجعتُ، وبكل خجل، ذهبتُ إلى صديقي. لمّحتُ له، وقبل أن أدخل في الموضوع لم يدعني أُكمل، وقال: هيا نقابل أباك. قابله، وتحدّث معه عني طويلًا. كنتُ أجلس وأسمع، أشعر بالحرج من كلام يُقال عني أمام رجل جاء أصلًا ليساعدني. ومع ذلك لم يتراجع صديقي. كان موقفه واضحًا لا يحتمل تأويلًا: إذا كنتم لا تريدونه عندكم، فاتركوه يذهب. وإلا سنذهب ونشتكي إلى مكتب العمل.

في النهاية قال: خلاص، لا مشكلة. وافق، وقال إن الكفيل القديم صار يعرف بذلك. ذهبتُ إلى المكتب. قالوا لي إن الرجل سافر. عدتُ إلى الانتظار. كنتُ أذهب إلى المكتب باستمرار، أسأل السكرتير عنه، ثم أعود في اليوم التالي. مرّ شهر، ثم الثاني، ودخلنا في الثالث، وأنا ما زلتُ في المكان نفسه. حين رأيتُ الكفيل بعد عودته، ذهبتُ إليه مباشرة. قلت: «أبي قال إنه كلمك.» قال: «أبوك ما كلمني.» ذهبتُ إلى أبي وقلت له: «اتصل به أمامي.» غضب، وقال: اخرج من وجهي! اتصلتُ به من قبل، ولن أعيد الاتصال.

وقفتُ بين رجل يقول: لم يتصل، وآخر يقول: اتصلت — بعد سبٍّ ولعنٍ وشتمٍ وألفاظ لا تليق حتى بذكرها. ثلاثة أشهر تقريبًا، وأنا وحدي من كانت حياته معلّقة بين الجملتين. بدأ صبري ينفد. قلت للكفيل إنني سأذهب إلى مكتب العمل، أو إلى محامٍ، وأبحث عن أي طريق ينهي الأمر. لم أكن أبحث عن مشكلة جديدة، لكنني لم أعد أستطيع الانتظار. السكرتير كان يراني منذ شهور، ويعرف لماذا أجيء. أعتقد أنه فهم ما أعانيه، أو أخبره كفيلي عن هذه الدوّامة بيني وبين أبي. وفي يوم، بلا مقدمات، قال لي: «تعال بعد العشاء، وخذ بناتك معك.» ونصحني أن أحضر هدية بسيطة.

لم أسأله لماذا. ذهبتُ كما قال. دخلتُ ومعي بناتي. سلّمن على الرجل وهنّ يقلن له: «يا عم». نظر إليهن، ثم نظر إليّ. لم أقل كلامًا كثيرًا. لم يبقَ شيء لم أقله خلال تلك الأشهر. نادى السكرتير وقال له: «خلّص موضوعه.» بقيتُ أنظر إليه، لا أصدّق. كل ذلك الذهاب والعودة، وكل ذلك الانتظار والتوتر والهمّ، انتهى في جملة. ثم قال عن أبي: «أبوك هذا ملعون. يظن أن الناس عبيدٌ عنده.» وعرفتُ منه أن أبي كان قد طلب منه، منذ البداية، ألا يسمح لي بالانتقال. لم أعد أريد أن أعرف شيئًا آخر.

لا لماذا فعل أبي ذلك، ولا لماذا استجاب له الرجل، ولا لماذا تركوني طوال تلك المدة أتنقّل بينهما. أردتُ الورقة فقط. وحين صارت في يدي، خرجتُ وأنا أنظر إليها كأنني أخشى أن تختفي، وأشعر في الوقت نفسه أنني أملك شيئًا أكبر منها بكثير. ضممتُ بناتي. لم يكنّ يعرفن ما الذي تغيّر، ولا لماذا كنتُ أنظر إلى تلك الورقة بهذه الفرحة. أما أنا فكنتُ أعرف تمامًا. خرجتُ من المكتب وذهبتُ بها مباشرة إلى الكفيل الجديد. لم أرد أن أَبيت ليلة واحدة وهي معي. كنتُ أخشى أن يتغيّر شيء، أو تأتي مكالمة تعيدني إلى نقطة الصفر.

وبقيتُ أتابع حتى رأيتُ اسمي وقد انتقل فعلًا. انتهى الأمر. هذه المرة، لم يكن عليّ أن أعود إلى أبي. بعدها مباشرة بدأتُ أرتّب سفري إلى دبي. لم يكن معي الكثير، فاستعنتُ ببعض الأصدقاء، ثم ركبتُ أول طائرة استطعتُ أن أركبها. لم تكن دبي جديدة عليّ، لكن السفر إليها هذه المرة كان مختلفًا تمامًا. جلستُ في مقعدي، ومددتُ يدي إلى الهاتف بحكم العادة وحدها، من غير أن أفكر. لا اتصال. أعدته إلى جيبي، وشعرتُ بخفة غريبة. لم يكن هناك سعر ذهب أريد معرفته، ولا حساب يجب أن أغلقه، ولا بضاعة أنتظر وصولها، ولا زبون سيبحث عني عند الهبوط.

كنتُ أعرف هذا الطريق جيدًا، كما أعرف نفسي، لكنني لم أسلكه من قبل بهذه الخفّة. كانت خطتي أن أذهب إلى سوق الذهب. أرى أصدقائي، أجلس معهم، وربما أعرف من هناك ماذا يمكن أن أفعل. لم أكن أنوي العودة إلى التجارة، لكن ذلك السوق كان العالم الذي أعرفه أكثر من غيره. جلس إلى جواري رجل أكبر مني سنًّا. تبادلنا الحديث طوال الرحلة. بدا لي رجلًا بسيطًا، فيه شيء من أهل البادية، لا يعرف دبي. عند وصولنا رأيته متحيّرًا، لا يعرف كيف يحجز سيارة ليذهب إلى المكان الذي يريده. كان عندي سائق أعرفه ينتظرني، فعرضتُ عليه أن يأتي معنا.

كانت وجهته في طريقنا تقريبًا. أوصلته، وتبادلنا أرقام الهواتف. قلتُ له إنني سأبقى في دبي مدة، وإن احتاج شيئًا فليتصل بي. ثم افترقنا. لم أكن أنتظر منه شيئًا، ولم أكن أعرف أنني سأراه مرة أخرى. ذهبتُ إلى سوق الذهب مباشرة، كما خططت. كنتُ أظن أن البداية الجديدة ستخرج من مكان أعرفه. وفي اليوم التالي، وأنا في سوق نايف، رنّ هاتفي. نظرتُ إلى الرقم. كان الرجل الذي جلس بجواري في الطائرة.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل الثالث عشر
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الثاني · لم أكن الخادم2,605 كلمة · نحو 14 دقيقة

الفصل الثالث عشر

حين لم يعد الرنين يخيفني

ألوان القراءة
حجم النص

رددت عليه، فقال: «أين أنت؟» قلت: «في سوق نايف.» قال إن عنده بعض الأمور ويريد مني أن أساعده فيها، وسألني إن كنت أستطيع أن آتي إليه. سألته عن مكانه، فأعطاني العنوان وذهبت إليه. لم يكن عندي عمل ينتظرني ولا موعد أخاف أن أتأخر عنه. حتى الهاتف الذي في جيبي كان جديدًا عليّ؛ رقم جديد، وناس قليلون يعرفونه، ورنين مختلف تمامًا عن الهاتف الذي عشت معه سنوات في الذهب. الهاتف القديم كان قد أصبح جزءًا من القلق نفسه: سعر ذهب، طلبية، حساب، زبون، مشكلة، أو اتصال أعرف قبل أن أرد عليه أن وراءه شيئًا سيثقل رأسي.

أما الآن فلم يكن في الهاتف شيء تقريبًا. لأول مرة منذ سنوات أحمله ولا أشعر أنه يحملني معه. حين وصلت إلى الرجل بدأ يشرح لي ما عنده. لم تكن معاملة واحدة. كان يريد أن يعرف كيف يبدأ أعمالًا في دبي: تأسيس شركة، أوراق وإجراءات، حسابات بنكية، مكتب، وأمور أخرى مرتبطة ببعضها. سمعته حتى انتهى، ثم قلت له: «خلنا نشوف كل اللي عندك أول.» أنا لا أحب أن أبدأ في شيء، ثم يظهر بعد يومين موضوع آخر يعطل كل ما فعلناه قبله. طلبت منه أن يخرج الأوراق الموجودة، وبدأنا نرتب ما لديه: ماذا ينقص؟ ماذا يمكن أن نبدأ فيه فورًا؟

وما الذي يحتاج إلى وقت؟ بعض الأمور كنت أعرف طريقها، وبعضها أعرف من يدلني عليه في دبي، وبعضها لم أكن أعرفه، فقلت له ببساطة إنني لا أعرف وسأسأل. لم تكن عندي يومًا مشكلة في أن أقول «لا أعرف». المشكلة عندي أن أقول «أعرف» ثم أضيّع وقت الناس. بدأت أتصل بمن أعرفهم: شخص مباشرة، وشخص يعرف شخصًا آخر، وجهة أعرف كيف نبدأ معها. وخلال وقت قصير بدأت الصورة المبعثرة أمام الرجل تتضح. ومما وفّقني الله فيه من البداية أنني وصلت إلى شخص في دبي رأيته مناسبًا لبعض هذه الإجراءات؛ لم أختره لأنه صديق أو قريب، بل لأنه يعرف عمله ويعرف الطريق.

كان الرجل الكبير يتابعني وأنا أعمل، يسأل أحيانًا ويسكت أحيانًا. لم أكن أعرف ماذا كوّن عني في ذلك اليوم، ولم أكن أفكر أصلًا في أنني تحت اختبار. بالنسبة إليّ، أنا أساعد رجلًا تعرفت عليه في الطائرة، وانتهى الأمر. بعد يوم طويل تحركت فيه أمور كثيرة، ذهبنا إلى مطعم لنتعشى. هناك، بعيدًا عن الأوراق والاتصالات، سألني: «أنت بتجلس في دبي كم؟» قلت له إنني لا أعرف، ربما شهرًا أو أقل أو أكثر، وشرحت له أنني خرجت من عملي وجئت إلى دبي لأرى أصدقائي ومعارفي وأبحث عن شيء أبدأ منه. قلت بصراحة: «أنا الآن أبحث عن عمل.»

قال: «أنا أجيب لك عمل.» نظرت إليه وسكت قليلًا. قلت: «كيف تجيب لي عمل وأنت جديد على دبي؟» قال: «طيب، تسمع مني؟» قلت: «أسمع.» قال: «أريدك ترجع معي.» سألته: «وين؟» قال: «السعودية.» لم أفهم. قال لي بما معناه إنني أرجع معه، وإذا احتجت إلى العودة إلى دبي أعود، وإنه سيتكفل بالتذاكر وما يلزم. قلت: «خير إن شاء الله.» كنت مستحييًا منه قليلًا. الرجل أكبر مني سنًا، ومعرفتي به لم تمض عليها إلا فترة قصيرة، ولم أحب أن أجلس أمامه وكأنني أحقق معه: من أنت؟ ومن تعرف؟ ولماذا أنا؟ لكنه فهم من وجهي أنني لم أقتنع تمامًا، فقال: «أنا ما أمزح.

أنت تريد عمل، ارجع معي.» سألته: «طيب، من أنتم؟ وماذا تعملون؟ وكيف ستجد لي عملًا؟» قال إنه لا يستطيع أن يقول لي الآن. ضحكت وقلت: «يعني أرجع معك وأنا ما أعرف شيء؟» فقال: «تعال، وبعدها تعرف.» فكرت في وضعي. ماذا كان عندي أصلًا لأخسره؟ والرجل لم يطلب مني مالًا، ولم يعرض عليّ تجارة غريبة، ولم يطلب توقيعًا أو التزامًا. وافقت. رجعنا إلى السعودية، والوجهة الرياض. حين وصلنا كانت هناك سيارة جمس سوداء تنتظرنا — من النوع الذي أراه كثيرًا مع مسؤولي الدولة. ظل يتحدث معي في الطريق، ثم دخلنا من بوابة فيها تفتيش، والمكان بدا أكثر رسمية مما توقعت.

أخبرهم الرجل أنني معه، فدخلنا، ووصلنا إلى قصر كبير. هنا فقط بدأت أشعر أن الموضوع أكبر مما ظننت. دخلنا، وطريقة استقبال الناس للرجل واحترامهم له جعلتني أنظر إليه بطريقة أخرى. بعد قليل دخلت أميرة شابة، سلّمت، ثم نطقت اسمي. تفاجأت. هي تعرف اسمي، وأنا لا أعرفها. نظرت إلى الرجل، فقال لها إنني الشخص الذي حدثها عنه. فهمت بعدها أن الرجل معروف عندهم منذ زمن، وأنهم يثقون به، وأن له مكانة عندها وعند والدها صاحب المنصب الكبير. وعرفت أنه حين تحدث عني قال لهم، بما معناه، إنه ارتاح لي، وإنني الشخص الذي يراه مناسبًا لما كانوا يبحثون عنه في تلك الفترة.

هذه الكلمة بقيت معي: ارتاح لي. هو لم يعرفني سنوات. عرفني في طائرة، ثم رآني في دبي وأنا أساعده، ومع ذلك وضع شيئًا من ثقته في اسمي. ومن أول لحظة قلت في نفسي: لا تخيب ظنه. امتد اللقاء ساعات — قرابة خمس ساعات أو أكثر. كان لديها عمل تريد أن تبدأه في دبي: شركة، مكتب، حسابات بنكية، وترتيبات كثيرة متصلة ببعضها. كانت تسألني، وأنا أسألها. لم أرد أن تكون بدايتي معهم وعودًا أكثر من قدرتي. في نهاية الجلسة أصبحت أمامي أوراق حقيقية ومتطلبات واضحة. لم يعد كلام الرجل في دبي عن «عمل» مجرد كلام. أصبح عندي عمل فعلًا.

في تلك الليلة تعشيت معهم، وأعطوني جناحًا أبيت فيه، وفي اليوم التالي رجعت إلى دبي لأبدأ. في البداية لم يكن التواصل بيني وبين الأميرة مباشرًا في كل شيء. كان الرجل الكبير هو الوسيط بيننا: أكلمه وأبلغه بما تم، وهو ينقل لها، أو يتصل بي وينقل ما طلبته. وكان هذا يريحني؛ أنا جديد عليهم، وهو الرجل الذي جاء بي ووثق بي، ولم أحب أن أتجاوزه أو أشعره بأن دوره انتهى بمجرد أن بدأت العمل. لكن الأمور تحركت بسرعة. أحيانًا يكون عندي سؤال يحتاج جوابًا الآن، أو قرار لا يحتمل أن ينتقل من شخص إلى شخص.

فقال لي الرجل إنه سيعطيني رقمها مباشرة. شعر أنني متردد. ربما كان عندي حرج أكثر من الخوف؛ لم أكن معتادًا أن أتصل بشخص في مكانتها مباشرة، وفي الوقت نفسه لم أرد أن أتجاوز الرجل الذي أدخلني إلى هذا العالم. شجعني، وبعد فترة رن هاتفي برقم خاص، وعرفت أنها هي. من هناك بدأ التواصل بيننا قليلًا قليلًا: مكالمة قصيرة تخص العمل، ثم أخرى، ثم أصبح طبيعيًا أن تتصل هي إذا أرادت شيئًا، أو أتصل أنا إذا احتجت إلى قرار أو جواب. وأكثر شيء لفت انتباهي لم يكن المنصب ولا الاسم، بل أسلوب الكلام. أدب. احترام.

كلام واضح: إذا أرادت شيئًا قالت المطلوب، وإذا كان عندي رأي قلته، وإذا لم أعرف قلت: «لا أعرف، أتأكد.» ولم أجد في ذلك مشكلة. وهنا بدأت أعرف شيئًا لم أكن أعرفه من قبل: أن الهاتف يمكن أن يرن ولا يخيفك. سنوات طويلة كنت أسمع رنين الهاتف فأتهيأ قبل أن أرد: ماذا حدث؟ من غضب؟ ما المشكلة؟ ما الحساب الذي لم يقفل؟ ومن سيحمّلني الخطأ هذه المرة؟ أما الآن فكانت المكالمة تنتهي وأنا أعرف ماذا عليّ أن أفعل، فأقوم بعملي. لا صراخ. لا إهانة. لا جملة تعلق في رأسي بقية اليوم. هذا وحده كان راحة لم أكن أعرف أنني محتاج إليها إلى هذه الدرجة.

بدأنا نؤسس الشركة في دبي، وكان عملنا يشمل الاستثمارات والتمويلات والذهب والبنوك والخدمات. من أول ما فاجأني أنها أرادت مكتبًا في موقع من أفضل المواقع. كان المبلغ كبيرًا جدًا، لكنني لم أخف من الرقم نفسه؛ عملت في الذهب ورأيت أرقامًا كبيرة طوال حياتي. الذي أخافني هو أن المال ليس مالي. قلت في نفسي من البداية: كل مبلغ تصرفه يجب أن تعرف أين ذهب، وكل ورقة توقعها يجب أن تعرف ماذا فيها، وكل شخص تُدخله إلى العمل يجب أن تعرف لماذا اخترته. وهنا دخلت عالمًا مختلفًا تمامًا عن الذهب. الذهب كنت أعرفه بيدي: قطعة أمامك، وزن وسعر وتاجر.

أما هنا فبنوك، وحسابات، وتحويلات، وصلاحيات، ومستندات، وشركات، ومسؤوليات لا ترى المال فيها أمامك، لكنك تعرف حجم ما تتحمله إذا أخطأت في رقم أو توقيع. كنت أراجع كثيرًا، وأحيانًا أعود إلى الشخص الذي اخترته في دبي وأسأله عن النقطة نفسها مرة ثانية. ليس لأنني لا أثق به، بل لأنني لا أريد أن أضع اسمي على شيء وأنا غير مرتاح له. وتواصل معي رجل بريطاني كان ضمن الفريق، وقال لي بما معناه: «قل لنا كم تحتاج.» قلت: «أحسب أول.» لم أرد أن أطلب مبلغًا مفتوحًا. حسبت ما أحتاجه للمرحلة الأولى فقط، وقلت: «نبدأ بهذا، وبعدها نشوف.»

وبدأت أتحرك: إلى البنك، ثم المكتب، ثم جهة حكومية، ثم شركة، ثم أرجع إلى ورقة أو اتصال أو موعد. إذا قال لي أحد إن معاملة تحتاج عشرين يومًا، سألت: لماذا عشرين يومًا؟ وما الذي يمكن أن ننجزه اليوم؟ لم أكن أبحث عن مخالفة نظام، ولا طريق مختصر غير صحيح. كنت فقط لا أحب أن يقال لي «انتظر» من غير سبب. هذه عادة أخذتها من الذهب: إذا تأخرت الطلبية ذهب الزبون، وإذا لم تراجع الحساب ضاع، وإذا قلت سأعود للموضوع غدًا، ربما يصبح الغد أسبوعًا. خلال نحو ثلاثة أيام كانت أشياء كثيرة قد تحركت بسرعة أكبر مما كان متوقعًا: المكتب، وإجراءات الشركة، والحسابات، وكلما انتهيت من شيء أبلغت بما تم.

كلما فتحت حسابًا أو ذهبت إلى جهة لإنهاء أمر، كنت ألاحظ أن الاسم الذي أمثله يفتح لي بابًا مختلفًا عن الذي اعتدته. أذهب إلى جهة وأنا أحمل الأوراق مثل أي شخص يريد إنهاء معاملته، فإذا بالمسؤول الكبير يأتي، أو يصل الأمر أحيانًا إلى المسؤول الأول في الجهة. ومن غير مبالغة، كانت هناك مواقف أجد فيها الوزير نفسه، أو مسؤولًا بهذا المستوى، يعرف الموضوع أو يسأل عنه. تعرفت إلى مسؤولين كبار، ثم مديري بنوك ومديرين إقليميين، وكل واحد منهم يعرف أنني أمثل هذه الجهة وأن الأميرة نفسها تقول لهم إنني المسؤول عن متابعة هذه الأعمال.

ثم اتسعت الدائرة أكثر: السفارة، ومسؤولون، وفي بعض المرات السفير نفسه يتصل بي. وأنا في داخلي ما زلت الرجل نفسه الذي جاء إلى دبي يبحث عن بداية. قبل فترة قصيرة كنت في سوق نايف بلا عمل، واليوم أدخل جهة فيعرفون من أمثل، وأتكلم مع أشخاص كنت أراهم بعيدين عن عالمي تمامًا. وبدأ حجم التعامل في الحسابات يكبر: أرقام كبيرة، تحويلات كبيرة، وحركة مالية تنمو مع نمو العمل والشركة. في إحدى المرات قالت لي، من أجل تسريع العمل، إنها تريد أن تقلل عدد التواقيع المطلوبة، وأن يصبح توقيعي مع توقيع شخص واحد كافيًا لإنجاز بعض الأمور بسرعة.

قلت لها مباشرة: «أنا ما أنصحك بهذا.» لم أقلها من باب التظاهر بالأمانة. قلت ما كنت مقتنعًا به: المال كبير، والحركة كبيرة، وكلما كانت الرقابة أقوى كان ذلك أفضل لنا جميعًا. لا أريد أن تكون الصلاحية واسعة لي ولا لغيري من غير حاجة. أذكر أنها ضحكت. لم تنزعج من اعتراضي، وشعرت من ردها أنها فهمت لماذا قلت ذلك. وهذا جعلني أرتاح أكثر؛ لأنني عرفت أنني أستطيع أن أقول رأيي حتى لو لم يكن هو الأسهل. بعد ذلك جاءت إلى دبي في إحدى المرات، وذهبت بنفسي لاستقبالها في المطار.

وصلت بسيارتي البسيطة — لم تكن سيارة تليق بما قد يتوقعه الإنسان لمن يستقبل أميرة، وأنا كنت أعرف ذلك. لكنها لم تعلق. ركبت معي بكل بساطة، وذهبنا سويًا إلى البنك. لم تجعلني أشعر لحظة أن سيارتي أقل من أن تركبها، ولم تحتج إلى مظاهر حتى تمشي أمورها. في البنك أعطتني صلاحية في التوقيع. تشرفت بذلك. لكن عندما خرجت من البنك لم أشعر بأنني خرجت بشيء أتباهى به. فكرت فقط في أن توقيعي لم يعد مجرد اسمي على ورقة؛ وراءه حسابات وأموال وقرارات، وأي خطأ فيه سيحسب عليّ.

لم يعد الموضوع شركة ومكتبًا فقط؛ صار هناك موظفون وفريق وعلاقات مع جهات مختلفة، والمكتب نفسه بدأ يكبر ويتغير حتى وجدنا أنفسنا أمام مكتب من أفضل المكاتب في دبي، موقعًا وعملًا وفريقًا. دخل معي بريطانيون وسويسريون ونيوزيلنديون وغيرهم. في البداية كنت أنا الذي يسأل عن كل شيء، وبعد فترة صار الناس يسألونني. وبعد نحو سنة ونصف، كانت مسؤوليتي قد كبرت كثيرًا. ثم دخلت في أمور تخص بناء برج لها في دبي، وبعدها منحتني الأميرة وكالة، ودخلت معها في المؤسسة رسميًا للإشراف على هذا المشروع الذي كان سيبدأ خلال السنة أو السنتين القادمتين، بعد أن حصلنا على كل الموافقات البنكية والحكومية.

وبدأت تأتيني شهادات شكر وتقدير من جهات مختلفة، وبعضها يذكرني بالاسم. كنت أحتفظ بها. كنت أقرأ اسمي وأفكر: هؤلاء لا يعرفون أبي. لا يعرفون ماذا كان يقول عني. ولا يعرفون ماذا كان يناديني. ولا يعرفون قصتي في سوق الذهب. هم عرفوني من شيء واحد فقط: ماذا فعلت أمامهم. هذا كان يكفيني. لكن صوت أبي لم يخرج من رأسي بسهولة. كلما أعطوني مسؤولية أكبر، كان يرجع لي كلامه القديم: لن تتوفق. ستفشل. من سيقبلك؟ خصوصًا عندما يوضع أمامي مبلغ كبير أو حساب مهم أو قرار أخاف أن أخطئ فيه. كنت أقول لنفسي: انتبه. لا تخطئ.

ولم يكن السبب أن أحدًا هناك يخيفني — بالعكس، لم أر منهم إلا الأدب والاحترام. كان الخوف من داخلي. لم أكن أريد أن يصح كلام أبي في شيء واحد قاله عني. ربما لهذا كنت أدقق أكثر من غيري، وأراجع أكثر، وأفكر في الخطوة التي بعدها قبل أن أنتهي من التي أمامي. وصار دخلي جيدًا جدًا. لكن أكثر شيء تغير في حياتي لم يكن المال. كان الهدوء. صرت أسافر كثيرًا بين دبي والرياض وجدة. أحيانًا يمر الأسبوع بين طائرة واجتماع وهاتف لا يتوقف. ومع ذلك كنت أرجع إلى البيت متعبًا وأنام. هذه وحدها كانت نعمة عندي.

في الذهب كنت أضع رأسي على الوسادة ويبقى العمل في رأسي. أما هنا فكنت أتعب، وأنهي يومي، وأنام. مرت السنوات، وصار اسمي معروفًا في هذا المحيط. والأخبار، بطبيعتها، وصلت إلى أخي. بدأ يتصل بي ويسأل عني وعن عملي: كيف أنت؟ كيف العمل؟ أين وصلت؟ ثم بدأ يسألني عن بعض التجار: «تعرف فلان؟» أقول: «نعم.» فيقول: «عرّفني عليه.» وكنت أفعل. لماذا أمنعه؟ هذا أخي. إذا كان عندي باب خير أستطيع أن أفتحه له، أفتحه. وكان يسألني أحيانًا عن أعمال بعض التجار ونتائجهم وأرباحهم، ثم يخبرني أنه حقق مثلها أو أكثر. وكنت أفرح له. والله كنت أفرح له.

كنت أقول: الله يرزقه، والمهم يحافظ على نفسه وعلى أمانات الناس. عرفت بعد ذلك أن كلامًا آخر عني كان يُقال، وأن سمعتي كانت تُشوَّه عند بعض الناس. الرجل الذي يتصل بي ويسأل عن نجاحي، كنت أسمع فيه أخي فقط. كان يأتي إلى دبي أحيانًا، وأراه يصرف بطريقة لم أعرفها فيه من قبل: مظاهر وأشياء غالية وكلام كبير. وبدأت تصلني من بعض الأقارب وأزواج أخواتي، ومن أشخاص عرفوا عمله، تحذيرات عن طريقته في التعامل مع المال. وأنا لم آخذ الكلام يومها على أنه اتهام له. كنت أخاف عليه. كنت أقول له: انتبه، المال ليس كله مالك.

هناك أمانات وهناك ناس وثقوا بك. كنت أخشى أن يضيع. ولم يخطر في بالي يومًا أن أخاف منه. مرضت أمي. كان المرض خبيثًا، واحتاجت إلى العلاج والمراجعة خارج البلاد. ذهبت معها إلى تايلند، وكان معنا أخي المهمَّش. في تلك الأيام لم يعد يشغلني المكتب ولا البنك ولا الحسابات ولا الاجتماعات. كانت أمي أمامي. أذهب معها وأنتظر معها وأتابع ما تحتاج إليه. ابتعدت عن عملي بقدر ما احتاجتني. وصرفت مما كان معي على السفر والإقامة والعلاج وكل ما يلزمها. لم أكن أحسبه كما أحسب أموال العمل. هذا لأمي. وانتهى الحساب. رجعنا بعد الرحلة الأولى، ورجعت إلى عملي.

ثم بعد مدة احتاجت أمي إلى مراجعة أخرى واستكمال العلاج، فسافرنا بها إلى تايلند مرة ثانية، أنا وأخي المهمَّش معها من جديد. كان معنا عمل مهم، لكنني لم أتردد في أن أستأذن الأميرة وأخبرها، فقالت لي: «اترك كل شيء، أمك أهم.» وكانت تعرض عليّ أن أسحب ما أريد، فكل شيء تحت يدي، لكنني لم أسحب شيئًا أبدًا — حتى نسبتي أو أرباحي. كنت، عكس من يعملون معي، أقول لها: اتركيه معكِ إلى أن ننتهي كاملًا من مشروعنا. في الرحلة الثانية كنت قد صرفت جزءًا كبيرًا مما كان متوفرًا عندي، واحتاجت الأمور إلى المزيد. وحاولنا أن نحصل على مساعدة من أبي.

وفي البداية رفض. لم أرد أن أحول مرض أمي إلى معركة جديدة معه. دبرت ما استطعت. وصرفت ما استطعت. وأكملنا ما جئنا من أجله. ثم رجعنا. وعادت أمي معنا. لم أجلس بعدها أحسب ما صرفت. المال يأتي. أمي لا تعوض. رجعت إلى دبي، وإلى الملفات والبنوك والاتصالات والسفر، لكن الظروف حول العمل بدأت تتغير. جاءت أحداث سياسية كبيرة أثرت في وضع الأميرة، وأثرت معها في العمل. وأنا لا أقول إنني كنت أعرف ماذا كان يحدث وراء الأبواب. أعرف فقط ما رأيته وما شعرت به. كنت في الرياض في إحدى تلك الفترات، وخفت. خرجت من الرياض إلى جدة.

واستمر العمل بعد ذلك فترة، لكنه لم يعد بالقوة نفسها. قلّت الحركة، وبعض الأمور توقفت، وأشياء كانت تسير بسرعة أصبحت أبطأ. كنت أعتقد أن هذه مرحلة وستمر. لكن الذي جاء بعد ذلك لم يكن ضعف سوق، ولا مشكلة شركة، ولا خلافًا بين أشخاص. جاء كورونا. الطائرات التي كنت أتنقل بها بين دبي والرياض وجدة توقفت، والمكاتب أغلقت، والشوارع فرغت، والناس دخلوا بيوتهم. وقفت أرى الحياة التي اعتدت أن أتحرك فيها كل يوم تتوقف أمامي. وهذه المرة لم أكن وحدي الذي لا يعرف ماذا سيحدث غدًا. لم يكن أحد يعرف.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل الرابع عشر
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الثاني · لم أكن الخادم1,374 كلمة · نحو 8 دقائق

الفصل الرابع عشر

اكتب لنا خطابًا

ألوان القراءة
حجم النص

عندما جاءت كورونا، كان عملي مع الأميرة قد ضعف أصلًا بعد الأحداث التي سبقتها، ثم توقف كل شيء تقريبًا. كنت قبل فترة قصيرة أتنقل بين دبي والرياض وجدة، وأدخل بنوكًا وشركات وأتابع أعمالًا كبيرة، ثم وجدت نفسي أفكر في أبسط احتياجات البيت. ومع ذلك، هناك شيء لا أريد أن يضيع وسط حديثي عن الضائقة: كنت مرتاحًا نفسيًا. نعم، المال قل، والعمل أصبح مجهولًا، لكن بيتي كان هادئًا؛ أرجع إلى زوجتي وأولادي ولا أحد يراقبني، ولا صوت أبي فوق رأسي، ولا ذلك الإزعاج القديم الذي يجعل الإنسان ينتظر المشكلة قبل أن تقع.

كنت أعرف قيمة هذا الهدوء، فقد دفعت من عمري الكثير حتى أصل إليه. كانت ضيقتي ضيقة مال، لا ضيقة حياة. أتذكر أنني فتحت الثلاجة يومًا فلم أجد فيها إلا القليل. أغلقتها، ثم فتحتها بعد دقائق، لا أعرف لماذا، كأن شيئًا سيتغير بين المرتين. لم يكن معي كاش يكفيني كما كنت معتادًا، ولا يوجد عمل أخرج إليه في الصباح وأقول: غدًا أعوض. هنا احتجت إلى أخي. قبل كورونا كان يتصل بي ويسأل عني وعن عملي وعن التجار والعلاقات التي أصبحت أعرفها، وإذا عرضت عليه شيئًا قال إنه لا يريد مالًا، وإنه يتصل ليسأل عني أنا.

طلبت منه شيئًا بسيطًا للبيت، فقال إنه لا يملك. صدقته في البداية؛ قلت: كورونا ضربت الجميع، ويمكن هو أيضًا عنده التزامات لا أعرفها. كنت أرى حوله صرفًا يجعلني أستغرب، لكنني أرجع وأقول لنفسي: لا تحكم على أخيك من الذي تراه فقط. في تلك الفترة بدأ أخي الآخر، المهمَّش دائمًا بينهم، يقترب مني قليلًا قليلًا. يتصل، ثم يأتي أحيانًا، ويقول لي أشياء عن أخينا لا أعرفها؛ مرة عن كلام يقوله عني، ومرة عن تصرفات يراها بعينه، وأحيانًا يتأثر ويبكي ويقول لي: «سامحني، أنت ما تعرف أشياء كثيرة.» لكنني لم أثق به.

أنا أعرفه أيضًا، وأعرف أن المصلحة والمال يحركانه، وأن قربه من الإنسان أو بعده عنه يتغير مع الظروف. لذلك لم تكن دموعه عندي حجة. كنت أسمع فقط؛ بعض الكلام أرميه مباشرة، وبعضه يبقى في رأسي لأنه يلتقي مع شيء رأيته أو سمعته من شخص آخر. ثم بدأت الأخبار تأتيني من خارج البيت أيضًا. صديق يقول لي: «أخوك يقول إن الذهب له.» وآخر يقول إنه يقدم نفسه على أنه مستثمر بحريني، وثالث ينقل لي أنه يقول إن المال جاءه ميراثًا من جده. الحقيقة عندنا كانت معروفة: الذهب كله كان ذهب الشيخ وأمانته. مرة أقول: يمكن فهموا كلامه خطأ، ومرة أقول: يمكن بالغوا.

وكنت أقول في نفسي: إذا كان هذا الكلام صحيحًا فهو بنفسه يفضح نفسه؛ لأن القصص لا تركب على بعضها. عرفت لاحقًا أن أشياء كثيرة مما كنت أرفض تصديقه كانت صحيحة، لكن في تلك الفترة لم أكن أعرف، ولا أريد وأنا أروي اليوم أن أعطي نفسي علمًا لم يكن عندي وقتها. بدأت الحياة تتحرك تدريجيًا، فرجعت إلى العلاقات التي بنيتها في دبي. لم يعد عندي العمل السابق، لكن بقيت الخبرة والناس الذين عرفوني: شخص يريد تأسيس شركة، وآخر حسابًا بنكيًا، وثالث عنده معاملة أو أمر يحتاج إلى من يعرف الطريق.

هذه العلاقات أبقتني واقفًا، لكن العمل لم يكن ثابتًا: ستة أشهر تكون الأمور جيدة، ثم ستة أشهر بالكاد يأتي فيها شيء. تأتي معاملة فأرتاح وأسدد بعض ما عليّ، ثم يسكت الهاتف مدة. ومع الوقت رجعت الضيقة. اتصلت بأخي فلم يرد، وأرسلت رسالة ثم أخرى، حتى صرت أكتب احتياجات البيت نفسها: مقاضي، مواد غذائية، حاجات للثلاجة. وفي تلك الفترة فهمت أن موضوع «الخطاب» لم يكن معي أنا وحدي؛ كانت هذه طريقته في التعامل، كما يتعامل بعض الشيوخ أو التجار الكبار. إذا أرادت أختي أو أراد أحد من العائلة شيئًا، يصل الكلام: «اكتب خطابًا.»

وعندما احتجت أنا وصلني الكلام نفسه: «إذا تريد شيئًا، اكتب لنا خطابًا.» استوقفتني الكلمة، لكنني لم أذهب إليه فورًا لأتشاجر. تحملت فترة وقلت يمكن الذين حوله صنعوا هذه الطريقة، ويمكن هو دخل فيها مع الوقت. في الوقت نفسه كان أخي المهمَّش يبتعد عنهم أكثر، ثم خرج من العمل فعلًا وذهب يعمل في مكان آخر. قال لي إنه لا يريد أن يستمر معهم، وإنه يخشى أن يأتي عليه الدور: «أنا ما أبغى يصير لي مثل ما صار لك.» وحتى هنا لم أقل إن كل كلامه صحيح؛ قلت إنه يعرف مصلحته، وقد يكون خروجه لمصلحته أيضًا. لكنني حفظت كلامه في رأسي.

ثم بدأ يصلني أنه يتكلم عن أبي ويسبه ويقول إن أبي سرقه وأخذ منه. هذا أزعجني؛ أنا أكثر واحد فينا يعرف أبي وأكثر واحد يستطيع أن يتكلم عما فعله بي. قلت له في إحدى محادثاتنا: «أبوك عنده محله.» فقال بما معناه: «أي محل؟ المحل انتهى.» والحقيقة أن المحل الأول، الذي كان يومًا «سوبر ماركت الذهب»، كان قد انتهى فعلًا؛ أبي صرفه كله مع السنين، وكان يشتري ويجمع أشياء انتهت قيمتها أو صلاحيتها، وبعضها باقٍ إلى اليوم. كنت أحيانًا أقول في نفسي إنه يتصرف كمن يظن أنه سيموت قبلنا ولا يريد أن يترك شيئًا يرثه أحد، بينما خوفي أنا أن نتورط من وراء أمور لم يرتبها.

لكن هذا كله لا يجعل أخي صاحب مال الشيخ، ولا يجعل من حقه أن يقول إن أبي سرق ماله. عندها تجمعت أمامي الأشياء التي كنت أؤجلها: الصرف، والروايات، والخطابات، والكلام عن أبي، وخروج أخي الآخر من العمل. قلت: الآن أذهب إليه. وجدته عند أحد المكاتب يريد أن يركب سيارته، ففتحت الباب وجلست بجواره. لم أذهب إليه لأطلب المال هذه المرة؛ ذهبت لأعيده إلى الواقع. فتحت معه كل ما تراكم وقلت له عن طريقة الخطابات، وعن الناس الذين أصبح الوصول إليه يمر من خلالهم، وعن تعامله كأنه مدير على الجميع: «من متى نحن نتعامل بهذه الطريقة؟

كم مرة احتجتني ووجدتني؟ كم مرة وقفت معك؟ واليوم إذا احتجت أنا شيئًا للبيت أكتب لك خطابًا؟» ذكّرته بأشياء كثيرة بيني وبينه، وفتحت صفحات أعرف أنها آلمته لأنها ليست كلام ناس، بل أشياء عاشها معي ويعرفها. قلت له: «ارجع إلى عقلك. نحن لسنا شيوخًا. نحن عمال. تعبنا بيدنا وعملنا، وهذا شرف لنا، وليس عيبًا. والذهب الذي في يدك ليس مالك، ولا مالي، ولا مال أبي. هذا كله مال الشيخ وأمانته. الرجل ستر علينا وأكرمنا ووضعنا في هذه المكانة أمام الناس، ونحن مؤتمنون عليه.» وقلت له إنني أراه يرمي المال هنا وهناك، وإنني أخاف من اليوم الذي يسأل فيه صاحب المال عن ماله.

وقلت له: «إذا أنت لا تريد أن تساعدني من عندك، أنا أصلًا ما طلبت منك تأخذ من مال الرجل. عندكم زكاة وصدقات يخرجها صاحب العمل وتعطون الناس منها. إذا أنا محتاج وعندي بيت وأسرة، كيف تساعد الناس هنا وهناك وأنا أخوك إذا احتجتك تقول لي اكتب خطابًا؟» هنا غضب فعلًا، وبدأ يتكلم عن اسمه ومكانته، ثم قال: «أنا شيخ، وسأظل شيخًا، غصبًا عنك وغصبًا عن أي أحد.» قلت له بما معناه: «أنا لا أريد لقبك ولا أنافسك عليه. أنا أقول لك فقط اعرف من نحن.» ولما فتحت الباب لأنزل قلت له وأنا غاضب وأسخر منه: «أنت تحتاج حبوب للهياط.

اسأل عن اسمها وخذ لك منها حبتين صباحًا ومساءً.» وأغلقت الباب ونزلت. خرجت من عنده ولم أقل إن أخي صار عدوي، لكن ما كنت أسمعه بدأ يجد أمامه شيئًا رأيته بنفسي. بعد ذلك استمرت حياتي كما كانت، عمل يأتي وعمل يتوقف، حتى جاءت ضيقة أقسى. فاتورة الكهرباء لم تُسدد، وصرت أخاف فعلًا أن يأتي الموظف ويفصل الكهرباء عن البيت. حاولت الوصول إلى أخي مرة أخرى، ودخلت أمي وسيطة، وزوجتي، وزوج أختي. أرسلت وذكّرته بالأخوة، ووصل بي الحال أن أقول له إن عندي ثلاث بنات كبيرات ولهن احتياجاتهن الخاصة، وإنني لا أملك ثمن بعضها، وإن زوجتي وابني وإحدى بناتي عندهم ربو ويحتاجون إلى بخاخ ولا أملك ثمنه.

لم أكن أتصور يومًا أن أشرح هذه التفاصيل لأخي، لكنني فعلت. لم يرد، ثم حظرني. بعد أيام جاءت أمي إلى بيتي وفي يدها كيس صغير مربوط. وضعته أمامي وقالت: «خذ. أخوك عنده التزامات ويمر بمرحلة.» عرفت أن فيه مالًا، ولم أستطع أن آخذه لنفسي. أنا طوال حياتي كنت أحاول أن أعطي أمي، لا أن آخذ منها. بكيت أمامها، ثم أعطيت المال لابني؛ لم أستطع أن أضعه في جيبي. وفي الوقت نفسه كنت أقابل أناسًا يقولون لي: «أنت أخو الشيخ فلان؟ جزاه الله خيرًا، ساعدنا.» أقول: «الله يجزاه خير.» وأسكت.

حتى حارس العمارة كان يرى التناقض؛ يرى الآخرين يدخلون بأغراضهم، ويراني أحيانًا أستلف منه مبلغًا بسيطًا حتى أكمل حاجة في البيت. أما أخي المهمَّش، فبقي يتواصل معي أحيانًا بعد أن خرج إلى عمل آخر، لكنني لم أجعله شاهدًا على الحقيقة كلها؛ كنت آخذ فقط ما يثبته الواقع أمامي. وبعد كل ما حدث لم أعد محتاجًا أن يقنعني أحد. قلت: يكفي. لم أذهب لأحاربه، ولم أجمع الناس عليه، ولم أشوهه. تركته؛ هو في طريقه وأنا في طريقي. إذا جاءني عمل اشتغلت، وإذا توقف صبرت، وإذا ضاق المال دبرت بيتي بما أستطيع، لكنني لم أعد أطرق بابه. مرت الشهور، ثم سنة، ثم أكثر، حتى قاربت القطيعة بيننا سنتين. كان المال أقل، لكن بيتي بقي أهدأ، وكنت أظن أن علاقتي بأخي انتهت عند هذا الحد.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل الخامس عشر
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الثاني · لم أكن الخادم2,538 كلمة · نحو 14 دقيقة

الفصل الخامس عشر

رجع أخي

ألوان القراءة
حجم النص

بعد كورونا بمدة، وفي الفترة التي كان فيها عملي مع الأميرة قد ضعف كثيرًا، قابلت العم صالح، رحمه الله، بعد غياب. كان مشروع البرج قد توقف، وكانت الأميرة قد أهدتني قطعة من كسوة الكعبة عند انتهاء خدمتي، وكنت أريد أن أعرضها على الشيخ نفسه، وكنت أعرف علاقة العم صالح القديمة به. رأيته وأنا نازل من بيتي، فقلت له: «يا لها من فرصة أني لقيتك، عندي شيء أريد أن أستشيرك فيه.» نظر إليّ وقال: «بل تعال أنت، أنا أصلًا أريدك.» قلت له: «وأنا أريدك.» ذهبت معه إلى شقته، وأتذكر إلى اليوم أن الدمع كان في عينيه قبل أن يبدأ الكلام.

ذكّرني بكلمة قديمة بيننا، يوم خروجي من العمل، عندما قلت له: «انتبه، يخرجونك كما أخرجوني.» قال لي: «تتذكر كلمتك؟ الآن عرفت معناها.» ثم بدأ يتكلم عن أبي وأخي، وعن أشياء رآها بعدما عاش بينهم وعرف أمورًا لم يكن يعرفها من قبل. قال إنه كان يسمع عني كلامًا كثيرًا ويصدقه، حتى فيما يخص ابنه الكبير، ثم اكتشف أن الصورة غير ذلك. قال لي كلامًا كثيرًا من قلبه، حتى إنه قال إنه يدعو على أبي في سجوده، وإن أخي ألعن من أبي، وإن ابنه الكبير لم يسلم منهم، وإنه فكّر أكثر من مرة أن يذهب إلى الشيخ ويتكلم معه.

كان متأثرًا، وأنا أسمعه، لكن الحقيقة أنني لم أتأثر يومها كما كان يجب. كنت قد وصلت إلى مرحلة لا أريد فيها شيئًا من الماضي؛ لا أريد أن أعرف من قال ماذا، ولا من ظلم من، ولا أن أعود إلى الجحيم نفسه. قلت له: «يا عم صالح، أنا لا أريد مشاكل الماضي، ولا أريد صراعًا جديدًا. أنا جئت لك اليوم في موضوع آخر.» ثم أخرجت له صور كسوة الكعبة، وأخبرته أنني أريد أن نعرضها على الشيخ، لأنه أفضل من أعرف يمكن أن يقدّر قيمتها ويقول لي رأيه فيما أفكر فيه. فرح بها العم صالح، وسألني إن كان أبي يعرف عنها.

قلت له: «قلت لك يا عم صالح، تركت الماضي خلفي. لا أحد يعرف عنها، ولا أريد أحدًا يعرف وهي معي في بيتي.» واتفقنا أن نذهب معًا إلى الشيخ عندما يعود من سفره، ووعدته أن أكرمه عند بيع الكسوة. لم يمر أكثر من شهر تقريبًا حتى سمعت خبر وفاته، رحمه الله. حزنت عليه كثيرًا. تذكرت دموعه، وتذكرت أنه كان أمامي يريد أن يقول كلامًا بقي في صدره سنوات، وأنا كنت قد أغلقت ذلك الباب من شدة التعب. وبعد وفاته ندمت؛ ندمت لأن ذلك اللقاء كان آخر لقاء بيننا، ولأنني كنت أستطيع أن أعطيه أكثر من مجرد السماع.

كان رجلًا وقف معي في وقت لم يكن عندي فيه شيء، وهو الذي أخذني في البداية إلى الشيخ وفتح لي بابًا تغيرت بعده أشياء كثيرة في حياتي. رحمه الله. واستمرت قطيعتي مع أخي حتى تجاوزت ثلاث سنوات. لم تكن حياتي في تلك السنوات ثابتة من ناحية العمل والمال؛ مرة أطلع ومرة أنزل، تأتي معاملة فأرتاح فترة، ثم يخف العمل فأدبر أموري بما أستطيع. الشيء الذي أصبح يعني لي فعلًا هو أن بيتي كان هادئًا. كنت قد عشت سنوات يكون فيها المال كثيرًا والراحة قليلة، ولذلك عرفت قيمة العكس. إذا كان معنا كثير صرفنا منه، وإذا كان معنا قليل رضينا بالقليل.

وكان يصلني خلال تلك السنوات كلام عن أخي. يأتيني واحد يقول: «أخوك يقول إنه هو الذي يصرف عليك وعلى عائلتك.» ويأتيني آخر يقول: «يقول إنه يعطيك مصروفك.» كنت أضحك ولا أرد. هل أمشي خلف كل شخص وأشرح له من الذي يدفع كهرباء بيتي، ومن الذي يشتري مقاضي أولادي، ومن الذي يعطي من؟ أنا أعرف بيتي، وزوجتي وأولادي يعرفون حياتنا، وهذا كان يكفيني. كنت أقول: الله يرزق الجميع. ببساطة، تركته في طريقه ومشيت في طريقي. إلى أن جاء يوم كنت فيه في البيت، وطُرق الباب فجأة. فتحت الباب، فإذا بأخي أمامي، ومعه أخي الآخر المهمَّش. وقفت أنظر إليه لحظة.

أكثر من ثلاث سنوات لم أكلمه، والآن هو الذي جاء إلى بيتي. أول شيء لفتني لم يكن كلامه، بل عينيه. كان ينظر إلى الأرض، وفيه ذلك الاحترام الذي كنت أعرفه فيه وهو صغير. لم أر أمامي الرجل الذي قال لي قبل ذلك: «اكتب لنا خطابًا»، ولا الرجل الذي كان يقول: «أنا شيخ، وسأظل شيخًا.» رأيت أخي الأصغر الذي أعرفه. سلّم عليّ، ثم حضنني وقال: «سامحني، أعرف أنني كنت بلا ضمير، واكتشفت أنني كنت مخطئًا. فهل تسامح أخاك الأصغر الذي تعرفه؟» وبطبعي العاطفي وسذاجتي صدقته وفرحت. لم أسأله أين كان، ولم أفتح موضوع الكهرباء، ولا حاجات أولادي، ولا أمي التي جاءتني بالمال، ولا الحظر، ولا كل ما حصل بيننا.

قلت في نفسي: خلاص، رجع أخي. أنا أصلًا لم أكن أريد أن أخسره، وكنت أتمنى أن يكون كل ما حدث بيننا مجرد مرحلة وتنتهي. بعد أيام بدأ يتحدث معي عن مشروع كبير. قال إنه أقنع الشيخ بمصنع ذهب في جدة، وإننا سنفتح معرضًا كبيرًا في دبي، وإن هناك تجارة وذهبًا وأرباحًا، وإن العمل سيكون بيننا نحن الإخوة. عندما سمعت الكلام لم أر المال وحده. قلت في نفسي: يمكن هذه فرصتنا نحن الإخوة أن نرجع لبعض. كنت أريد رجوع أخي أكثر مما أريد المصنع نفسه. طلب مني هويتي وجواز سفري، وبعدها قال إنه حجز لنا إلى دبي.

عندما رأيت الحجز استغربت؛ درجة أولى. قلت له: «يا أخي، دبي قريبة، الاقتصادي يكفيني. خذ الفرق وخله لبيتك وأولادك.» لم يهتم. سافرنا، ومن أول الرحلة بدأت أرى شيئًا لم أعتده فيه: صرف كثير، وفندق خمس نجوم، ومشتريات وأشياء غالية، ويقول لي: «خذ ما تريد.» وأنا أقول: «ما أحتاج.» كنت أنظر إليه وأستغرب. أعرف من أين جئنا، وأعرف كيف كنا نحسب الريال، والآن أراه يصرف كأن المال لا ينتهي. كنت أقول له: «يا أخي، انتبه. هذه أمانات، والمال ليس كله مالك.» ولم يكن يحب نصيحتي كثيرًا. لكنني كنت أجد له عذرًا في رأسي: يمكن الشيخ فعلًا رفعه، ويمكن أصبح يعتمد عليه أكثر مما أعرف.

قال لي إنه يريد أفضل موقع في سوق الذهب بدبي؛ فهو يعرف خبرتي في السوق. قلت له: «أفضل موقع يعني مبلغًا كبيرًا جدًا.» قال بكل ثقة: «معك ما يصل إلى عشرة ملايين.» نظرت إليه وقلت: «هل تعي ما تقول؟» فأمسك الهاتف فجأة واتصل بأحد وقال لي: «اسكت، بلا صوت.» لم أعرف مع من كان يتحدث. كان يذكر أرقامًا كبيرة، ثم أغلق الهاتف وقال: «اذهب وفاوض، وراك جبل، لا تخاف.» ثم بدأ يتحدث عن الشيخ أكثر. يقول إن الميزانية مفتوحة، وإن الشيخ يعتبره يده اليمين، ويأخذ بمشورته حتى في بعض أعماله.

وبعدها صار كلامه أكبر؛ مرة يقول إن الشيخ صار في جيبه، ومرة إنه يعرف كل شيء عنه، ومرة يتحدث كأنه أمين سره. لم يدخل كل ذلك رأسي؛ أنا أعرف من هو الشيخ، وأعرف من هو أخي. لكنني قلت لنفسي: ربما حدث بينهم في السنوات التي كنت بعيدًا فيها شيء لا أعرفه. وإذا أحبه الشيخ فعلًا ورفعه، فأنا أول من يفرح له. دخلت السوق وبدأت أعمل. إذا دخلت في شيء لا أعرف أن أعمل بنصف قلبي. لم أقل: معنا عشرة ملايين، إذًا ندفع ما يطلبونه. بالعكس، كنت أعرف السوق وأعرف أن الذي يشعر أن معك مالًا كثيرًا يرفع السعر عليك.

بقيت قرابة أسبوع أذهب وأرجع، أتكلم مع هذا وأفاوض ذاك، وأرجع إلى أخي ثم أعود إليهم. وفي أحد الاجتماعات أحضرت أخي معي وقدمته لمن أمامنا على أنه صاحب المشروع وصاحب القرار، وكنت أقول وأنا فرح: «هذا عمّنا.» كان عندي شعور جميل وقتها؛ هذا أخي الذي لم أكلمه أكثر من ثلاث سنوات، واليوم نحن جالسان معًا في دبي ونبحث عن معرض ذهب. وصلنا إلى شبه اتفاق على المكان والسعر. وفي الطائرة عائدين إلى جدة التفت إليّ وقال وكأنه يمنحني هدية: «اترك عملك، لا أريد لك أي ارتباط بالأميرة أو بغيرها.» لم أجادله كثيرًا.

عملي مع الأميرة كان قد ضعف أصلًا بعد الأحداث التي حصلت ثم كورونا، وما بقي عندي أعمال متفرقة وعلاقات بنيتها خلال السنوات. قلت في نفسي: عندي الآن مشروع مع إخوتي، معرض في دبي ومصنع في جدة، فلماذا لا أتفرغ له؟ لم يخطر في بالي وقتها أن وراء كلامه شيئًا آخر. صدقت أن المشروع مشروعنا جميعًا، وتركت ما بقي من عملي على هذا الأساس. رجعنا إلى جدة، وبدأت أبحث عن المصنع وأتابع الإجراءات. أخرج في حر جدة، أرى المواقع، وأتكلم مع أصحابها، وأسأل عن الأوراق والاشتراطات، وأرتب الموضوع خطوة خطوة. وفي هذه الفترة صار اسم الشيخ لا يفارق كلام أخي.

أي شيء يفعله يقول: «الشيخ قال.» يسافر إلى إيطاليا فيقول: «الشيخ أرسلني.» يذهب إلى ألمانيا أو دولة أخرى فيقول: «الشيخ طلب مني.» يتكلم عن شقة فيقول إن الشيخ هو الذي أمره. يتحدث أمام أمي وإخوتي وعائلتي، والشيخ حاضر في كل قصة. صار يصور نفسه لنا كأنه أمين سر الشيخ ومحفظته؛ يعرف أين يذهب المال، وما الذي يريده الرجل، ومن يسافر ولماذا. وأنا أحيانًا أسمع وأسكت. لماذا سأكذبه وهو أخي؟ حتى عندما احتاجت إقامتي وإقامات أولادي إلى التجديد قال لي بكل ثقة: «لا تشيل هم، إقامتك وإقامة أولادك سنجددها قريبًا.» فرحت. كنت أرى رجوعه في كل شيء يقوله، ولذلك كنت أصدقه أكثر مما أراجعه.

وأثناء بحثي عن المصنع اتصل بي أخي مرة، وكان متضايقًا. قال إن ابن العم صالح، رحمه الله، موجود عنده في المحل، وإنه يأتيه ويسأله ويحرجه: «هل بقي شيء لأبوي؟» وقال لي أخي بما معناه: «كلمه أنت. أنا أنحرج منه. قل له إن الشيخ يقول لا يريد أحد، ولم يبق شيء لأحد، وإنني محاسب على كل شيء.» وأنا صدقته. اتصلت بابن العم صالح وقلت له: «لماذا تذهب له كل مرة وتسأله؟» فقال إنه يريد أن يعرف هل بقي شيء لأبيه. قلت له، وأنا أنقل كلام أخي على أنه حقيقة: «الشيخ يقول ما في شيء لأحد.

وليس أنتم فقط؛ حتى أنا وأبي وكلنا. أخي الآن مدقق عليه ومحاسَب، وكل شيء محسوب.» قلت ذلك وأنا مقتنع أنني أطمئن الرجل وأريحه. ثم أغلقت الموضوع وعدت إلى المصنع؛ فلم يكن عندي يومها سبب يجعلني أشك في أن أخي ينقل لي كلام الشيخ كما هو. أما اليوم، وبعد ما عرفته لاحقًا، فلم أعد أجزم أن ما قلته له عن انتهاء الحقوق كان صحيحًا. ولم أرجع إليه لأخبره أنني لم أعد واثقًا مما نقلته. وبقي هذا يؤلمني. واصلت بحثي عن المصنع. كنت أنا الذي يتحرك أكثر، وأحيانًا كنت أستغرب أنني متحمس للمشروع أكثر منه، لكنه في كل مرة يعطيني شيئًا يجعلني أرجع وأطمئن.

مرة يرسل وكيله، ومرة تنتهي ورقة، إلى أن صدر السجل التجاري للمصنع. عندما رأيته قلت في نفسي: خلاص، الموضوع حقيقي. أنا لا أعيش على كلام فقط؛ هناك سجل، وهناك إجراءات، وأنا أبحث عن موقع، وهناك معرض تفاوضنا عليه في دبي. فماذا أريد أكثر من ذلك حتى أصدق؟ وفي تلك الفترة كان هناك أمر آخر يزعجني. رجل في سوق الذهب بدأت سمعته تسوء جدًا، حتى صار كبار التجار يحذرون منه. كنت قد حذرت أخي منه من قبل كورونا، أيام ما كنا نتواصل، وسألته مباشرة: «هل بينك وبينه تعامل؟ هل عنده ذهب لكم؟» أنكر وقال إنه لا يتعامل معه أصلًا، وصدقته كعادتي.

ثم جاءني كلام أن عند أخي ذهبًا لدى هذا الرجل. في البداية قلت: مستحيل، أنا سألته بنفسي. وبعد ذلك تأكد لي أن هناك ذهبًا فعلًا، وأن كمية كبيرة من الأمانة كانت عند الرجل الذي كنت أحذر منه. قلت لأخي: «كيف تحط الذهب عنده؟ أنت عندك محل، فلماذا تترك ذهبًا عند شخص آخر أصلًا؟ وهذه أمانة، كيف تنام والأمانة عند شخص السوق كله يحذر منه؟» لم يتردد. قال لي: «الشيخ نفسه من طلب ذلك. فلا تكرر كلامك لي في هذا الموضوع.» صدّقته وسكت. لم أكن مرتاحًا، لكنني قلت لنفسي: الذهب مال الشيخ، وإذا كان الشيخ نفسه قد طلب ذلك، فلا بد أن عنده سببًا لا أعرفه.

ثم جاء يوم اتصل بي أخي فجأة وسألني أين أنا. قلت له، فقال: «قابلني الآن في بيتك، بسرعة.» جاءني، ومن أول ما رأيته عرفت أن هناك شيئًا غير طبيعي. كان خائفًا ومهمومًا. أنا أعرف أخي منذ كان طفلًا، ورأيته في مشاكل كثيرة، ولم أر عليه هذا الخوف من قبل. قلت له: «وش فيك؟» قال: «الشيخ اتصل بي، يريد ذهبه.» قلت: «طيب، ودبي؟ والمصنع؟ وكل الذي عملناه؟» قال: «ما أدري.» ثم قال شيئًا زاد استغرابي: «حتى الذهب اللي معي ما جردته، وما أعرف ماذا لنا وماذا علينا.» قلت له: «كيف ما تعرف؟ هذه تجارة.

لازم تعرف كم عندك، وكم عليك، وكم للشيخ، وكم لكم. صاحب المال إذا طلب ماله، تجلس معه وتقول له الحقيقة. ما يصير الواحد يدير أمانات الناس وهو ما يعرف حسابه.» أنا أعرف هذا الشيخ من زمان، من اليوم الذي أخذني إليه العم صالح، رحمه الله. أعرفه رجلًا طيبًا وكريمًا وسخيًا، ولذلك لم أفهم لماذا أخي خائف منه بهذه الصورة. قلت له: «صارحه. قل له وضعك. إذا لك شيء قوله، وإذا عليك شيء قوله. التجارة ليست هكذا. ونحن وعائلتنا، بعد الله، قائمون على اسمه.» لكنه لم يكن يريد مني نصيحة فقط. نظر إليّ والخوف في عينيه وقال: «بالله عليك، تعال معي.»

وأخي المهمَّش أيضًا كان يقول لي: «لازم تروح معه، يمكن إذا ما اقتنع الشيخ يضيع كل المشروع.» نظرت إليه ووافقت. قلت له: «أروح معك.» أكثر ما صدمني يومها لم يكن أن الشيخ يريد ذهبه؛ فهذا حقه وماله. الذي صدمني هو خوف أخي. ومع ذلك لم أذهب وأنا أشك فيه، ولا وأنا أريد أن أكتشف شيئًا. ذهبت لأن أخي جاءني خائفًا وطلب مني أن أقف معه، وكنت أريد أن يرى أنني أخوه فعلًا، لا الصورة التي ربما بقيت في رأسه عني. في اليوم التالي جاءني مبكرًا. كنت نائمًا، وفتحت له ابنتي وقالت: «بابا نائم.»

فقال لها: «قولي له الإقامة ستتجدد، لازم يقوم الآن.» جاءت ابنتي تقول لي إن عمها يقول إن الإقامة ستتجدد، وكانت فرحانة. قمت ولبست ونزلت إليه، وركبت معه، واتجهنا إلى البرج الذي يملكه الشيخ. وأنا في الطريق كنت أتوقع شيئًا واحدًا: نصل، وأخي يتصل بالشيخ، وندخل. هذا الرجل الذي قضى الشهور الماضية يقول لي: «الشيخ قال، الشيخ أرسلني، الشيخ طلب مني، أنا يده اليمين»، فمن الطبيعي عندي أن نصل ويعرف كيف يدخل إليه. وصلنا إلى البوابة، وفوجئت أن الأمن لم يعرف ماذا يفعل بنا، وأخي نفسه لم يعرف ماذا يقول لهم. لم يتصل بالشيخ أمامي، ولم يقل إن الشيخ ينتظره.

بدأ يسأل الحراس عن السوداني الطيب الذي يعمل هناك، ويسألهم في أي دور مكتبه، كأنه يأتي إلى المكان للمرة الأولى. هنا استغربت. قلت في نفسي: كيف؟ كل هذه الشهور وأنت تقول لي إن الشيخ قريب منك، والآن لا تعرف كيف تدخل إليه؟ لم أقل له كل ما في رأسي. دخلنا، وأثناء صعودنا في المصعد كنت أنظر إليه، والخوف واضح عليه. قال لي: «بالله عليك يا أخي، لازم يعرف إذا أخذ الذهب ماذا سيحصل لنا، وقل له كذا وكذا، واشرح له وضعنا.» كان يتكلم، وأنا لا أسمع كل التفاصيل بقدر ما كنت أراقب خوفه.

قلت له: «الخوف اللي عندك الآن، هذا أنا كنت أشعر به تجاه أبوي.» سكت. وصلنا إلى السوداني الطيب، وعرفني عندما رآني؛ كنت آتي إلى هناك من أيام العم صالح، رحمه الله. جلست وشرحت له ما أعرفه: إن أخذ الشيخ الذهب الآن سيتأثر المشروع، وإن أخي في هم وضيق، وإننا بدأنا عملًا جديدًا في دبي وجدة، وإننا نريد أن يصل الكلام إلى الشيخ ونفهم ماذا يريد. سمعني السوداني الطيب، ثم قال: «إن شاء الله خير، لا تقلقوا، سأخبر الشيخ بهذا الكلام.» انتهى الاجتماع بسرعة، ربما في خمس دقائق. خرجنا، وبمجرد أن ابتعدنا عنه قلت لأخي: «كيف يقول سيخبر الشيخ؟

لماذا لا تخبر الشيخ بنفسك؟ أنت تقول لي إنك تتواصل معه.» قال: «ما أدري. الأيام الأخيرة السوداني الطيب هو الذي يتواصل معي، والشيخ أوقف التواصل معي.» حاولت أن أجد تفسيرًا لما أراه. قلت في نفسي ربما أخي أخطأ في شيء، أو ربما تغيرت الأمور في الفترة الأخيرة، أو أن ارتفاع سعر الذهب وقتها جعل الشيخ يريد أن يرتب حساباته بطريقة مختلفة. لم يكن عندي جواب، لكن للمرة الأولى بدأت أرى أن الصورة أمامي ليست واضحة كما كنت أظن. وفي اليوم التالي اتصل السوداني الطيب بأخي وقال له إن الشيخ وافق أن يقابلنا، وحدد لنا موعدًا ومكانًا.

اتصل بي أخي وأخبرني. ارتحت، وقلت في نفسي: ممتاز، الآن سنقابل الشيخ نفسه، وأنا أعرف طيبته وكرمه، وسنتكلم معه مباشرة، ويعرف ما بذله أخي في المشروع وما الذي سيحدث إذا توقف كل شيء فجأة. جاءني أخي في الموعد، وركبت معه السيارة، واتجهنا إلى المكان الذي حدده لنا السوداني الطيب. كنت ذاهبًا وأنا أفكر في شيء واحد فقط: سأقف مع أخي. سأقول للشيخ إنه بذل جهدًا كبيرًا، وإنه تعب في مفاوضات متجر دبي وفي مشروع المصنع بجدة، وإننا نحتاج فقط أن يسمع منا قبل أن يتخذ قراره.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل السادس عشر
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الثاني · لم أكن الخادم1,767 كلمة · نحو 10 دقائق

الفصل السادس عشر

يده الباردة

ألوان القراءة
حجم النص

في السيارة، قبل أن نصل إليه، أخرج أخي من جيبه ورقة أعدها وناولني إياها بيد ترتجف قليلًا. لم يسعفني الوقت لأقرأها كاملة. نظرت فيها بسرعة، ثم توقفت عيني عند شيء أعادني إلى السطر مرة ثانية. الخسارة القديمة. خسارة اليوم الذي قيل لنا إن الشرطة دخلت فيه قبل نحو ست عشرة سنة وأخذت الذهب، كانت ما تزال مسجلة في الورقة. طوال تلك السنوات كان أخي يتحدث أمام أمي وإخوتي والتجار وكأنه هو الذي سدّد تلك الخسارة عني، ويتباهى بأنه تحملها وأغلقها. وأنا كنت أسمع وأسكت، بل وأشكره في داخلي على شيء كنت أظن أنه فعله من أجلي.

والآن الخسارة ما زالت مسجلة في الورقة التي في يدي. ولم يكن ذلك وحده. رأيت فيها أيضًا كلامًا يتهم أبي بأن ذهبًا وأشياء كثيرة أُخذت من المحل بلا وجه حق، ورأيت مصاريف وأرقامًا كبيرة لم أكن أعرف عنها شيئًا. طويتها ووضعتها معي على أن أعود إليها بعد اللقاء. وأنا أطويها شعرت أن الأرض تحتي بدأت تميل. وقبل أن ننزل سألت أخي عن تسجيلات واقعة الشرطة القديمة. كنت أريد أن أعرف، لو فتحنا الموضوع أمام الشيخ، هل التسجيلات موجودة أم لا. أكد لي أن كل شيء موجود عنده. ثم أمسك ركبتي بيد باردة. كان الخوف يملأ عينيه.

قال لي بما معناه: «يا أخي، بالله عليك، انتبه. لا تقلل من قدري عنده، ولا تقل كلامًا يضرني. قوله إن قراره ببيع الذهب سينهي عائلة كاملة. وكلما مدحتني أكثر أمامه، كان أفضل لنا.» نظرت إليه. وفي تلك اللحظة لم أفكر في الورقة لأستعملها ضده، ولم أقل: الآن أمسكت عليك شيئًا. حتى وأنا أحمل في جيبي ورقة بدأت تفتح في رأسي أسئلة لم أفهمها، كنت أقول لنفسي: هذا أخي، وأنا سأدافع عنه. نزلت من السيارة وأنا حزين. وكان سؤال يدور في رأسي وقتها: كيف وصل أخي إلى هذه الدرجة من الخوف؟ وكيف أصبح يرى أبي ويراني بالطريقة التي يراها؟

سلّمنا على الشيخ في شارع قريب من المستشفى. وجدته كما عرفته: بشوشًا، طيبًا، كريمًا، هادئ الطبع. لم يكن في وجهه غضب رجل جاء ليسترد ماله. وبعد السلام سأل سؤالًا بسيطًا: «أين أنتم؟ لا أعرف من أكلم منكم، وليس عندي رقم أحد، وما سمعت عنكم بعد وفاة العم صالح، رحمه الله.» نظرت إلى أخي. لم أقل شيئًا. أنا طوال الشهور الماضية أسمع: الشيخ قال. الشيخ طلب. الشيخ أرسل. الشيخ أمر. أخي قريب منه، والشيخ يأخذ بمشورته، وهو يده اليمين وأمين سره. والآن الرجل نفسه يقول إنه لا يعرف كيف يصل إلينا. حاولت فورًا أن أجد لأخي تفسيرًا.

قلت في نفسي: يمكن التواصل كله كان عن طريق السوداني الطيب. لم أرد أن أحكم من أول جملة. ثم تكلم الشيخ عن الذهب. قال إنه عندما ارتفع سعر الذهب رأى أنها فرصة للبيع، وإنه أخبر السوداني الطيب بأنه يريد بيع ذهبه، لكن السوداني الطيب قال له إن أخذ الذهب سيضر بنا، وإننا قد لا نجد شيئًا نعمل عليه، وهو مصدر رزقنا. هنا بدأت الصورة تتغير أمامي. فهمت أن الشيخ كان يريد ذهبه، وأن السوداني الطيب هو الذي كان يتواصل، وأن أخي كان يطلب مهلة. وتذكرت كل تلك الأشهر. دبي. المعرض. المصنع الكبير.

والأيام التي كنت أخرج فيها في حر جدة أبحث عن المواقع وأتابع الأوراق وأنا أظن أنني أبدأ حياتي من جديد مع إخوتي. لم أقل وقتها إن كل ذلك كذب. لم أصل إلى هذه النتيجة. لكنني بدأت أفهم أن هناك جزءًا كبيرًا من القصة لم أكن أعرفه. تماسكت وتكلمت مع الشيخ. قلت له إن الذهب ارتفع، وهذا حقه وماله، لكن إن أخذه الآن فلن يبقى لنا شيء تقريبًا. قلت له: نحن عائلة كاملة. ثلاثة إخوة، وزوجات، وأبناء، وخمس بنات، وأب وأم. وليس لنا بعد الله إلا حلالك. وقلت له من قلبي: «وأنت من رفعتنا، زادك الله رفعة.»

سألني: «أليس لديكم محلات أخرى؟» توقفت. قلت: «لا. لم يبق شيء.» لم أقل له إن أبي أحرق ما كان عندنا مع السنين. لم أكن أريد أن أفتح أمامه كل مصائب العائلة. أخرجت الورقة. قلت له إن الشرطة دخلت علينا قبل نحو ست عشرة سنة وأُخذ ذهب، وإن هذه الخسارة ما زالت موجودة. وفي الوقت نفسه كنت أحاول ألا أفتح أمامه الخسارة الأخرى التي رأيتها في الورقة، ولا الكلام الذي يتهم أبي بأخذ ذهب. كانت فضيحة جديدة، ولم أكن أريد فوق خوفنا من سحب الذهب أن أفتحها هناك. نظر الشيخ إلى الورقة. ثم قال: «أبشر، اللي تبغاه يصير.»

وقطعها أمامي من غير أن يقرأها كاملة. تذكرت في اللحظة نفسها يومًا قديمًا، في بداية استلامنا الذهب، عندما قطع سندًا بالطريقة نفسها أمام العم صالح، رحمه الله. والغريب أنني أنا نفسي، إلى اليوم، لم أقرأ تلك الورقة كاملة. هذا الرجل كان يستطيع أن يقول لنا ببساطة: هذا ذهبي، وأنا أريده. ولم يكن أحد يستطيع أن يقول إنه ظالم. لكنه لم يفعل. لم يفتش عن ضعفنا ليستعمله ضدنا، ولم يضغط علينا وهو يعرف أننا لا نملك بديلًا. أنا أحببت هذا الرجل من أول يوم رأته عيني. وكلما ذكرته دعوت له. زاده الله رزقًا، وأطال في عمره، وأصلح ذريته.

وبعد كل الذي سمعته منذ جلست، بدأت أمدح أخي. نعم، مدحته. قلت للشيخ إنه لا ينام من هم الأمانة، وإنه يخاف عليها، وإنه كادح ليل نهار. لم أكن أمثل. هذا هو الشيء المؤلم عندما أتذكره الآن: كنت إلى تلك اللحظة أجد لأخي الأعذار، وأقول إن خوفه دليل على أنه يحمل هم الأمانة. حتى الشيخ بدا مستغربًا من حجم مديحي له. سألني: «باسم من المحل؟» قلت: «باسم أخي، هذا الذي أمامك.» قال: «هل هو مواطن؟» قلت: «لا، خليجي.» استغرب. قال: «كيف يكون أخوك وهو يحمل جنسية أخرى؟» شرحت له أن أخي تجنّس وأنا لم أتجنس.

لو كانت علاقة أخي بالشيخ كما كان يصورها لنا طوال تلك السنوات، كيف لا يعرف عنه حتى هذا؟ لكنني أيضًا لم أقل شيئًا. ثم جاء كلام الشيخ عن الزكاة. قال إنه سأل السوداني الطيب عنها من قبل، فقيل له إننا نحن الذين نأخذ الزكاة ونتصرف فيها. قال إنه لا يرى في ذلك مشكلة، وإن الأقربين أولى، وإن علينا أن نخرجها بعدل وأمانة لمن يستحقها، وإذا لم نستطع فنعطيها للمكتب ليتولى توزيعها. هنا شعرت بأول طعنة حقيقية في الجلسة. رجعت في لحظة واحدة إلى الأيام التي كنت أطلب فيها من أخي المال من أجل مستلزمات الدورة لبناتي.

إلى بخاخ الربو لزوجتي وابني وإحدى بناتي. إلى اتصالاتي ورسائلي. إلى أمي وهي تدخل بيتي بكيس مال لأن أخي عنده «التزامات». كنت أسمع طوال تلك الفترة أن الشيخ يأخذ كل شيء، وأن المال ليس موجودًا. والآن الشيخ نفسه يقول أمامي إن الزكاة كانت تصل إلينا نحن لنصرفها على من يستحقها. سكت. حتى هنا سكت. ثم خلال الكلام قلت للشيخ إن تسجيلات يوم دخول الشرطة كلها موجودة مع أخي. التفت الشيخ إليه. فقال أخي، بكل هدوء، إنه لا يملك أي تسجيلات. كانت هذه الطعنة الثانية. نظرت إليه. قبل قليل، في السيارة، قال لي إن كل شيء عنده.

والآن أمام الشيخ لا يوجد شيء. لم أقل له: أنت تكذب. لم أفضحه. جلست أحاول أن أفهم ماذا يحدث أمامي. ثم سألني الشيخ عن وضعي. قلت له إن إقامتي منتهية. قال مستغربًا: «لماذا؟ غدًا جددها، حتى لو كان المبلغ كبيرًا.» فرحت. أنا فعلًا فرحت. موضوع الإقامة كان يحملني همًا، وابنتي في الصباح قامت من فرحتها عندما قال لها عمها إن الإقامة ستتجدد. بدأ الشيخ يتكلم معي براحة، ويسألني، ويمازحني. أما أخي فكان منذ بداية الجلسة في أغلب الوقت ساكتًا، وعينه في الأرض. ثم فجأة تكلم. قال للشيخ: «يا شيخ، لا يكثر عليك كلامه ويشغلك.

هذا مطرود منذ ست عشرة سنة.» في البداية لم أستوعب. هل يقصدني أنا؟ استغرب الشيخ وسأله: «ومن طرده؟» قال أخي: «أبي طرده لسلوكه المشين.» انصدمت. واستحييت. وشعرت بالحرارة في وجهي والعرق يتصبب مني. منذ دخلنا وأنا أمدحه. والآن أول شيء تقريبًا يقوله عني أمام الشيخ أن أبي طردني لسلوكي المشين. قبل دقائق في السيارة كان يمسك ركبتي بيده الباردة ويتوسل إليّ ألا أقلل من قدره أمام الشيخ. وأنا فعلت أكثر مما طلب. لم أقل عنه كلمة واحدة تؤذيه. حتى الورقة التي أعطاني إياها لم أستعملها ضده. وفي اللحظة نفسها خطر في رأسي: ألا يعرف أن الكلام الذي يقوله يشوهه هو أيضًا قبل أن يشوهني؟

أخوك يجلس أمامك ويرفعك إلى السماء، وأنت تمسح به الأرض أمام الرجل نفسه. لكنني لم أقلها. غيرت الموضوع بسرعة، كعادتي. قلت للشيخ إننا لا نريد أن نشغله أكثر، وشكرته وقلت: «جزاك الله عنا كل خير.» واستأذنا وخرجنا. ومن حق هذا الرجل عليّ أن أميّز بين ما عرفته منه وما كان أخي يقوله باسمه. ما زلت أتذكر حين كنت مع العم صالح، رحمه الله، ننتظره، وكيف استقبله بمحبة وتقدير. وأذكر زيارته الكريمة لنا حين انتقلنا إلى بيتنا الجديد. وبقي يتذكرنا بكرمه؛ لا تكاد تمر سنة إلا وتكون له معنا لفتة طيبة.

أعرف له إحسانًا إلى ناس كثيرين، وأعمال خير تجري في الخفاء ولا يعرف عنها الكثير. ولهذا كنت أحتار أمام بعض ما ينقله أخي عنه. حتى جلست مع الشيخ نفسه، وبدأت أرى الفرق. ولم يكن يعرف أن أخي هو من يعطّل تجديد إقامتي. هو من أسرة عريقة طيبة كريمة؛ شيخ، وأبوه شيخ، وجده شيخ. ورأيت في تواضعه وكرمه وحسن معاملته ما يليق بهذا الأصل. هناك من يدّعي المشيخة ويتكلف مظاهرها، أما هو فعرفت قدره مما رأيته منه. وأنا أكتب ما أوجعني، لا أريد أن يضيع وسطه فضل رجل أحسن إلينا. حين أقول عنه «الشيخ»، أقولها عن معرفة وتقدير.

ركبت السيارة. وكان أخي يبدو سعيدًا ومرتاحًا. نظرت إليه وسألته: «أنت مبسوط؟» قال: «نعم.» قلت له، وأنا غاضب: «ما هذا الكلام؟ كيف قبل أن ندخل تقول التسجيلات عندك، وأمام الشيخ تقول ما عندك شيء؟ وكيف تقول عني إني مطرود لسلوكي المشين؟» قال: «والله تلخبطت من الفرحة. ما كنت أدري وش أقول.» قلت له: «قتلت فرحتي بكلامك. ما هذا الذي فيك؟ أنا من يوم دخلنا وأنا أدافع عنك.» أوقف السيارة على جنب. نزل. وقبّل رأسي ويدي. وأقسم لي أنه لم يكن في وعيه من شدة الخوف، وأنه لم يكن يعرف ماذا يقول. ونظرت إليه. تذكرت يده الباردة قبل اللقاء.

تذكرت وجهه. تذكرت الخوف الذي لم أر مثله عليه من قبل. ولسذاجتي، صدقته. مرة أخرى. قلت في نفسي: يمكن فعلًا تلخبط. يمكن الخوف فعل به هذا. ولا أعرف إلى اليوم ماذا حصل لي في تلك الساعة بالضبط. فرحة. صدمة. استغراب. أشياء كثيرة دخلت فوق بعضها. بدأ يمازحني ليغير الجو، وأنا ساكت. ثم قلت له: «طوال هذه السنين تقول إنه يتصل بك، وإنه قال لك، وأمرك، وأرسلك، وإنك قريب منه… واليوم الرجل من مقابلتنا لا يعرفك بهذه الصورة. لم يتذكر إلا يوم استلامنا الذهب مع العم صالح، رحمه الله. كيف؟» سألته أن يهدأ ويشرح لي. ضحك وغير الموضوع.

ثم أخذني إلى مطعم فاخر. أخرج من جيبه مالًا، وكان يرمي منه كأنه لا يعرف كم يخرج. وطلب طعامًا يكفي عشرة أشخاص. عشرة. ثم لم يأكل هو أصلًا. قال إن عنده مشوارًا. وأنا جالس أمامه، لكن عقلي لم يكن في المطعم. كان في الورقة. وفي الخسارة القديمة التي كنت أظن أنه سدّدها عني. وفي الزكاة. وفي التسجيلات. وفي كلام الشيخ. وفي الجملة التي قالها أخي عني أمامه. أخذت الطعام إلى بيتي. وأطعمت أولادي. وخططت أن أبدأ في اليوم التالي بإصلاح أوراق إقامتي. قلت: على الأقل هذه انتهت على خير. الشيخ أعطانا فرصة. الإقامة ستتجدد. وأخي اعتذر. في اليوم التالي اتصلت به. لم يرد. اتصلت مرة أخرى. لم يرد. سألت عنه. قالوا لي: سافر. كان قد سافر تقريبًا في اللحظة نفسها بعد أن أوصلني إلى البيت. وحتى وقت كتابة هذه السطور، لم تتجدد إقامتي.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل السابع عشر
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الثاني · لم أكن الخادم1,661 كلمة · نحو 9 دقائق

الفصل السابع عشر

سأذهب إلى الشيخ

ألوان القراءة
حجم النص

بعد لقائنا بالشيخ سافر أخي، وبقيت أنا أحاول أن أفهم ما حدث. لم أخرج من اللقاء وأنا أقول إنني اكتشفت كل شيء. لكن أشياء كثيرة اجتمعت أمامي في ساعة واحدة، وأصبحت لا أستطيع أن أتجاوزها كما كنت أفعل من قبل. أولها الورقة التي أعطاني إياها أخي في السيارة. الخسارة القديمة نفسها كانت ما تزال مسجلة فيها. وفي الورقة نفسها كان هناك ذهب كثير مسجل على أبي، وأخي كاتب بما معناه أن أبي أخذه من المحل، بمعنى أنه سرقه. هذه أيضًا لم أفهمها. وأبي أيضًا هو الذي جردني ومسح كل ما لدي عند خروجي، وأحرق بيتي من أجل سداد ما خسرته.

وفي الورقة كان مسجلًا عليه ذهب من المحل. ولم أكن أعرف هل أبي يعلم أصلًا أن ابنه كتب عليه هذه الكمية أم لا، أو أن الأمر فيلم بينهم، ولكن بما أنه كتبه ليفضحه أمام الشيخ، استبعدت علمه. ثم جاءت الزكاة، والتي كانت فيها الطعنة والألم. الشيخ قال لنا إنه سأل المكتب عنها، وقد عرف أننا من نخرجها، وكأنه شعر بما فعل بي هذا الأخ عندما قال: «الأقربون أولى بالمعروف» لمن يحتاج منها. تذكرت الثلاجة، والكهرباء، والحاجات الصغيرة التي كنت أستحي أصلًا أن أطلبها، حتى بخاخ الربو الذي كنت أطالب به.

وتذكرت كيف كان يفتري على الشيخ بأنه يأخذ مال الزكاة، وأن الأمور ليست بيده، والآن أسمع من الشيخ نفسه أن الزكاة كانت عندنا نحن لنخرجها. أنا كنت متأكدًا أن أبي لا يعرف هذه الصورة أيضًا، وكنت أريد أن أخبره. كنت أريد أن أسأله أيضًا عن الذهب المسجل عليه في الورقة. كان أبي مسافرًا في القرية. انتظرته حتى عاد، ثم جمعت العائلة كاملة. دخلت المجلس وأنا أحمل كل ذلك في رأسي. من أول الكلام قاطعني أبي وقال: «ماذا تقول؟ اذهب وتوضأ قبل أن تذكر أخاك. أنت رجل لا تعرف الله، وتأتي تعلمنا ماذا نفعل؟» سكت. وكان أخي يرسل المال لأبي.

في تلك اللحظة تركت كل شيء. لم أقل له إن ابنه كتب في الورقة أنه أخذ كمية كبيرة من الذهب من المحل، ولم أكمل معه موضوع الزكاة كما كنت أريد. قلت في نفسي: لا يستحق أن يعرف، خله على وضعه وحبه الأعمى لابنه الذهبي. خرجت، ولحقتني أمي. كنت ما أزال موجوعًا من شيء واحد أكثر من غيره. قلت لها: «تخيلي، جاءني مثل الطفل البريء والخوف بين عينيه، ورأيته في حالة هلع وكان يترجاني. وقفت معه موقف أخ مع أخيه، مع أنه ليست لي علاقة بهذا العمل منذ ست عشرة سنة، وعندما قابلنا الشيخ وأنا أدافع عنه، في الآخر يقول عني إني مطرود.»

كان أخي أمامنا. أنكر ذلك لأمي. طلبت منه أن يخرج المصحف ويحلف فقط. أخرجه، وحلف أمام أمي أنه لم يقل هذا الكلام، بكل ثقة. هنا انصدمت فعلًا. ليس لأنني أحتاج شاهدًا. أنا كنت جالسًا بجواره عندما قالها. سمعت وحفظت كل كلمة، وعندما سأله الشيخ: «ومن طرده؟» قال: «أبي.» سأل: «لماذا؟» رد: «عليه حركات.» ثم أمام أمي، وبكل هدوء، يضع يده على المصحف ويحلف أنه لم يقل. أنا أعرف أخي رجلًا ملتزمًا، متدينًا، يحافظ على صورة الدين أمام الناس. ولهذا كان المشهد بالنسبة إليّ أكبر من كذبة عادية. في تلك اللحظة تغير شيء حقيقي في داخلي.

وقلت في نفسي لأول مرة، بوضوح لم أقله من قبل: هل هذا أخي الذي أعرفه؟ أم أنني طوال هذه السنوات لم أكن أعرفه أصلًا؟ وقتها شعرت أن الذي أمامي ليس الرجل الذي كنت أبحث له دائمًا عن عذر. شعرت أن في أخي شيئًا مخيفًا لم أكن أريد أن أراه. وحتى اليوم أتذكر ذلك الحلف أكثر مما أتذكر كثيرًا من الكلام الذي قيل في ذلك المجلس. وفي اليوم التالي جاءني أبي وقال لي بما معناه: «أخوك يصرف عليّ. تكفل بي وفي مصروفي، ولن تسمع مني الكلام الذي أزعجك أمس.» ابتسمت من القهر. أذكر فقط، بكل برود، أنني لم أعطه وجهًا.

كنت أعمل على نافذة في البيت. رأى أنني لا أعبره، فانصرف. ولم أقل له إلى اليوم ما كان أخي قد سجله عليه في الورقة. أما أخي الآخر، الذي كان قد عاد إلى العمل بعدما نصحته بالعودة، وكان معنا ويرى ما يحدث، فقد انصدم هو أيضًا وترك العمل مرة أخرى، وقال لي: «هل تنتظر أن يفعلوا بي مثل ما فعلوا بك؟» بعد ذلك بدأت أكتب لأخي. لم تعد المسألة عندي أنني أريد منه مالًا أو اعتذارًا. كنت أريد أن يعرف أنني بدأت أرى التناقضات. أرسلت له بعض رسائلي القديمة التي كنت أترجاه فيها وأنا في ضيقة، وقلت له بما معناه: انظر إلى هذه الرسائل.

كنت أكتب لك وأنا لا أملك احتياجات بيتي، وأنت تقول إن الشيخ يأخذ كل شيء، ثم أجلس مع الشيخ وأسمعه يقول إن الزكاة كانت عندكم أنتم لتخرجوها. فماذا كان يحدث؟ وكتبت له عن الخسارة التي ظل سنوات يقول إنه سددها، ثم رأيتها ما تزال مسجلة في الورقة. وكتبت له عن التسجيلات التي قال لي قبل دخولنا إنها موجودة، ثم أنكر أمام الشيخ أن عنده شيئًا. وكتبت له عن حلفه على المصحف. قلت له بما معناه: لا تظن أن وقوف أبي معك أو حلفك أمامه وأمام أمي أنهى الموضوع. عرفت الآن مدى خبثك من حلفك بكل برود على المصحف الذي كنت أظنك أكثر الناس التزامًا به.

الذي يهمني أنا بيتي. بيتي الذي اشتريته بتعبي، وهو مسجل باسم الشيخ، وما زال باسمه حتى اليوم. وإذا كانت أشياء كثيرة كنت أظنها بأمر الشيخ بدأت تظهر لي بصورة أخرى، فما الذي يضمن لي أنني لن أجد نفسي يومًا مسؤولًا عن شيء لا أعرف عنه شيئًا؟ كتبت له بوضوح أنني لن أسكت هذه المرة، وقلت له إنني سأذهب إلى الشيخ وأتكلم معه بنفسي، وعن كل شيء بالحقيقة: المصنع، ودبي، والوهم، والزكاة، وما كان يقوله لي إنه بأمره. ومن أنت ومن جعلك مسؤولًا علينا؟ اكذب بها على أبيك والباقين، أما أمامي فأنت مفضوح.

وعرفت أنك بلا حياء ولا خجل، وكيف ترضى بهذا لأخيك أو لأولاد أخيك؟ مرّ على اللقاء يومان أو ثلاثة تقريبًا. وهنا تذكرت شيئًا كنت قد نسيته وسط كل الذي حدث: الرجل الذي أخذ أكثر من ربع ذهب الشيخ. يومها عندما واجهت أخي قال لي إن الشيخ هو الذي أمره أن يضع الذهب عند ذلك الرجل. الشيخ أمره؟ بعد اللقاء الذي جلست فيه مع الشيخ، وبعد كل ما سمعته منه، بدأت هذه الجملة تضرب في رأسي بطريقة أخرى. كان عندي صورة سند على ذلك الرجل، وقلت له: «حتى هذا كنت تقول لي إن الشيخ هو الذي أمرك.»

وهنا بالنسبة لي لم تعد المسألة كذبة واحدة. بدأت أخاف من حجم الشيء الذي أمامي. المحتال أخذ الذهب بأمر الشيخ. المصنع بأمر الشيخ. وأشياء كثيرة كان اسم الشيخ حاضرًا فيها. ثم أقابل الشيخ نفسه، فأجد الصورة مختلفة. الذي عرفته أنني لم أعد أستطيع أن أضع وجهي مع كلامه. أنا بنفسي ذهبت إلى الشيخ وقلت كلامًا بناءً على ما أخبرني به أخي. ثم بدأت أكتشف أنني قد أكون قلت للرجل أشياء غير صحيحة وأنا لا أعرف. هذا أوجعني. لأنني لا أقبل أن يأتي يوم ينظر إليّ الشيخ ويقول: «أنت أيضًا كنت تكذب معي.» أنا لم أكن أكذب.

كنت أصدق أخي. لكن كيف سأثبت هذا إذا استمررت ساكتًا؟ لم أكن أريد إلا إخلاء مسؤوليتي، لا الانتقام منه ولا فضحه. أريد أن أقول للشيخ: هذا الذي أعرفه، وأيضًا أذكره بأنه طلب مني أن أجدد أوراقي. ثم أقول له: هذا الذي قيل لي باسمك، وهذا الذي لا أعرف عنه شيئًا. وكنت أريد أن أذكّر الشيخ بأنني اشتريت البيت من أملاكه، ودفعت ثمنه نقدًا كاملًا عن طريق أبي والعم صالح، لكنه بقي مسجلًا باسمه، وأن البيت لا علاقة له بحسابات العمل. ثم أعود. كنت أظن أن أقصى ما سيحدث هو مشكلة كبيرة بيني وبينه، ولا أعتقد أنني سأثق به أو أصدقه بعدها.

قد يحدث غضب، قطيعة. لكن سجن؟ والله لم يخطر في بالي. ثم حدث ما لم أكن أتوقعه. دخلت السجن. ولا أريد أن أروي تفاصيل تلك الليلة كاملة. أتذكر الوجوه التي دخلت بيتي، وأتذكر زوجتي وأولادي وهم يرون ما يحدث، وأتذكر من الإهانة والضرب ما يكفيني إلى آخر عمري. أُخرجت من بيتي موقوفًا، بعد طرق قوي على الباب وهجوم كأني تاجر مخدرات أو مطلوب دولي. هناك أبواب أريد أن تبقى مغلقة. في التحقيق سألوني عن رقم هاتف. عرفته. قلت: «لا أعرفه.» كذبت لأحميه. حتى في تلك اللحظة لم أكن أعرف أن له علاقة بما يجري، لأنه حصل فجأة وبسرعة.

كنت في التوقيف، ولم أعرف رسميًا سبب توقيفي. وتعقدت اتصالاتي. وكان عندي أشخاص وعلاقات يمكن أن تساعدني، لكنني لم أعد أستطيع الوصول إليهم كما كنت. فجأة اتهامات، وتحويل إلى السجن بسرعة لا يستطيع أحد تخيلها. أسابيع، ثم شهر. خرج آخرون. وبقيت أنا. ومرت الشهور، شهرًا بعد شهر، حتى تجاوزت ستة أشهر. وأنا لا أعرف الحقيقة. كنت أتصل بالبيت حين أستطيع. أسأل: «كيف أنتم؟» ويقولون: «بخير.» ولم يكونوا بخير. كانت عائلتي تخفي عني أشياء كثيرة حتى لا تزيد سجني عليّ. انقطعت الكهرباء عن البيت، واضطروا مع حر جدة ورطوبتها أن يذهبوا إلى بيت أم زوجتي.

وبقي ابني فترة في البيت، يذهب إلى أعمامه على أمل أن يساعدوه. لكنه عاد من هناك بكلام أكبر من عمره. قالوا له إن أباه مجرم، وإن أباه لن يخرج، وإنهم ليسوا مسؤولين عن فواتيرنا ولا عن حياتنا. ولم يخبرني ابني بكل شيء. بعد خروجي قال لي: «يا أبي، لا تجبرني أقول لك كل الكلام.» ومن الأشياء التي عرفتها بعد ذلك أن عمه أمسك يده وقال له: «يدك فيها خمسة أصابع. لو أصاب واحدًا منها سرطان، ماذا تفعل؟ تبتره حتى لا ينتشر.» ثم قال له: «أبوك هو ذلك الإصبع. يجب أن نقطعه من العائلة.»

وكان يقول له إنني لن أخرج من السجن، لأن المباحث اكتشفت أني من أكبر تجار المخدرات، وإنني قد أبقى خمسًا وعشرين سنة، أو قد يحكمون بالإعدام على ما كنت أتاجر به. وابني يسمع. وأنا لا أعرف. وصل الأمر بأولادي أنهم فكروا في ترك البيت. واتصلت زوجتي بأخيها في أمريكا، فجاء ووقف معهم وقال إنه لن يسمح لأحد أن يخرجهم أو يؤذيهم. كل هذا كان يحدث وأنا خلف الجدران. وأنا أتصل وأسأل: «أنتم بخير؟» فيقولون: «بخير.» خرجت بعد أكثر من ستة أشهر، ولم أعرف رسميًا سبب خروجي. بدأت الحقيقة تصل إليّ بعد ذلك بالتدريج: شيء من زوجتي، وشيء من ابني، وشيء من الناس.

كان ابني يبكي كثيرًا بعد خروجي. في البداية قلت: اشتاق لي. ثم فهمت أن الموضوع أكبر. كان يريد أن يتأكد أنني موجود، وأنني لن أختفي مرة أخرى. وبعد مدة وجدت أوراقًا كتبها عن تلك الأيام. قرأتها. وعرفت أن ابني كان يخفي عني ألمه كما كنت أنا أخفي عنه ألمي. كنت أظن طوال الأشهر التي قضيتها في الداخل أن السجن هو الباب المغلق والجدار الذي لا أستطيع تجاوزه. بعد خروجي فقط عرفت أن سجني الأكبر في تلك الفترة كان شيئًا آخر: أن يحدث كل هذا في بيتك، ولزوجتك وأولادك، وأنت لا تعرف. كنت أعيش سجن عدم المعرفة.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل الثامن عشر
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الثاني · لم أكن الخادم842 كلمة · نحو 5 دقائق

الفصل الثامن عشر

الاسم الذي استبعدته

ألوان القراءة
حجم النص

خرجت من السجن، لكنني خرجت وأنا لا أعرف لماذا دخلته بهذه الصورة. أكثر من ستة أشهر بلا مبرر أفهمه، ولا قضية أعرف عنوانها. وأثناء سجني كانوا يخرجونني إلى التحقيق مرة بعد مرة، أكثر من كثير ممن كانوا معي. حتى بعض السجناء وأصحاب السوابق كانوا يقولون لي: «هناك شيء غريب في موضوعك، أو أنك مخبر علينا.» لم أكن أفكر في كلامهم. كنت أريد أن تنتهي الأيام وأخرج. وعندما خرجت بدأت أسأل. لم تأتني الإجابات من شخص واحد. أسمع شيئًا من زوجتي، وشيئًا من ابني، وشيئًا من إخوتي. كنت قليل التواصل حتى مع أخواتي، وهذا أحد أخطائي.

ذهبت إليهن بعد فترة، وعرفت أن عندهن منذ سنوات كلامًا عن أبي وأخي لم يصلني. قالت لي إحداهن: «نحن نخاف عليك. انتبه على نفسك.» لم أطلب منها أن تزيد. وفي تلك الفترة وصل خوفي حتى إلى بيتي. قلت لأمي: «أنا دفعت قيمة البيت أمامك يا أمي، وأنت تعرفين ذلك.» قالت: «فعلًا. ولماذا تقول ذلك؟» لماذا أقول ذلك فعلًا؟ أنا الذي دفعت ثمن بيتي، وأمي تعرف، ومع ذلك وجدت نفسي أريد منها أن تتذكر وتشهد. وفي الفترة نفسها لاحظت أن فمي يميل قليلًا وأنا أتكلم. كان يأتيني صداع ودوخة وتنميل. ظننت أن السبب هو التعب وقلة النوم وما مررت به.

ذهبت إلى الطبيب، وبعد الفحوص عرفت أن عندي أثر جلطة صامتة. لم أعرف متى حدثت. لم أسقط ولم أفقد وعيي. ولم أخبر أحدًا. لم أرد أن أخيف ابني وبناتي، خصوصًا أنني كنت أرى مقدار ما يحمله ابني من همّي. ثم جاءني الصديق الذي استعنت به بعد واقعة المحل، وهو صديق قديم أعرفه منذ أيام الشباب، وكان يعمل في الشرطة. كان يعرف القضية الأولى قبل ست عشرة أو سبع عشرة سنة، يوم دخلت الشرطة المحل وأُخذ الذهب، ويعرف أيضًا بعض ما يتعلق بسجني الأخير. كنت أستحي أن أقابله بعد الحالة التي وصلت إليها. وفجأة أرسل لي: «أنا تحت بيتك.»

دخل وجلس معي. وبعد قليل اتصل أمامي بشخص يعرف بعض التفاصيل، ووضع الهاتف على مكبر الصوت. سمعت الرجل يتكلم عن أخي. قال، بما معناه، إنه يدفع المال بسخاء، وله علاقات بأشخاص من أصحاب النفوذ، وإنه يستطيع بالمال أن يؤذيني أو يبعدني أو يدخلني في مشكلة. وقال إن دخول الشرطة إلى المحل يومها كان مدبّرًا بتنسيق من أخي، وإن أخي كان أيضًا وراء تأخير ملفي في السجن. ثم قال إن أخي كان يتحدث عن شخص يسبب له المشاكل، وعن عدو له. وقال إنهم لم يكونوا يعرفون أن هذا العدو الذي يتحدث عنه هو أخوه. أنا. قلت: «أنا؟»

أنا الذي جاءني قبل لقاء الشيخ خائفًا ويطلب مني ألا أقلل من قدره أمامه؟ أنا الذي دخلت معه ودافعت عنه؟ أنا الذي سألوني في التحقيق عن رقم هاتفه فقلت: «لا أعرفه.» حتى لا أصل إليه بشيء؟ هنا تذكرت كلام القاضي في السجن. قال لي يومها: «هناك من يتلاعب في ملفك. هناك شخص متربص بك، وكان يعتقد أنك ستذهب إلى قاضٍ آخر، ولكن لحسن حظك وصلت عندي. لن أدعه يفعل ما أراد.» سمعت كلام القاضي وقتها ولم أعرف عمّن يتحدث. كنت أفكر في كل شخص يمكن أن تكون له مشكلة معي. ولم أفكر في أخي. سألت صديقي: «لماذا؟

ماذا سيستفيد أخي؟» قال لي، بما معناه، إن أخي يراني تهديدًا لمكانه، وإنه أصبح يراني عدوًا. قلت: «أقسم لك أنني لا أريد مكانه. هذا المكان تركته أنا، مع أنه كان يومًا حلمي.» وهذا كان صحيحًا. لم أكن أريد أن أرجع إلى المحل، ولا إلى الذهب، ولا إلى الموقع الذي تركته. كنت أريد بيتي وزوجتي وأولادي. وفي نهاية الكلام قال لي صديقي إنه يعرف عن أخي أمورًا يمكن أن يفتحها، وقد توصله إلى السجن أو الإبعاد. رفضت. وأقسمت بابني: «أنا لست إنسانًا منتقمًا.» قال: «أنا نصحتك، وأنت حر.» ثم خرج. جلست وحدي بعده وبكيت.

لا أتذكر أنني بكيت بهذه الطريقة حتى وأنا طفل. لأول مرة كنت أخاف أن يكون الكلام الذي أسمعه عن أخي صحيحًا. ورجعت بذاكرتي إلى الخسارة القديمة. بعد أن بدأت حياتي الجديدة في دبي، اتصلت بأخي وسألته: «هل دفع أبي الخسارة؟» قال: «لا. لم يدفع شيئًا، ولم يعطه شيئًا، ولا تصدق أي كلام عن تسديدها.» وبعد سنة أو سنتين جاءتني أمي فرحانة وقالت: «أخوك سدد الخسارة. ادعُ له.» ثم قال لي أخي بنفسه: «انتهت القضية. سددت كل شيء. لم يبق عندنا للشيخ غرام واحد.» صدقته. وشكرته. ثم رأيت الخسارة ما تزال موجودة، بعد ست عشرة سنة، في الورقة التي أعطاني إياها أخي في السيارة قبل لقائنا بالشيخ.

لم أكن أعرف أي كلام منهما هو الصحيح. وتذكرت أخي المهمش. كان قد قال لي منذ سنوات: «أنت لا تعرف حقيقته. أنت تحبه ولا ترى ما يفعل، وهذه مشكلتك.» وقال لي: «أنت لا ترى إلا أخطائي أنا.» لم أصدقه وقتها. كنت أعرف أخطاءه، ولذلك كنت أظن أن كلامه جزء من الخلاف بينهما. لكنني تذكرت أيضًا أنه كان، عندما يرى أبي يظلمني، يقف معي ولا يرضى أن أُهان أمامه. ثم تذكرت أشياء أخرى. القسم على المصحف. كلام الشيخ. كلام القاضي. الورقة. والمكالمة التي سمعتها بنفسي. كل واحدة من هذه الأشياء حدثت في وقت مختلف، ولهذا لم أرها من البداية كشيء واحد.

أما الآن فقد أصبحت أمامي في وقت واحد. لم أعرف كل ما حدث في الخفاء. ولا أقول إنني أعرفه حتى اليوم. لكن قبل ذلك اليوم، كان أخي آخر شخص يمكن أن أضع اسمه في ما حدث لي. بعد ذلك اليوم، لم أعد أستطيع أن أستبعده. كان ذلك ما عرفته يومها. أما اليوم، فلم يعد الأمر عندي مجرد شك.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل التاسع عشر
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الثاني · لم أكن الخادم2,196 كلمة · نحو 12 دقيقة

الفصل التاسع عشر

إلى أخي

ألوان القراءة
حجم النص

أنت أول من أريد أن يقرأ هذا الكتاب. ليس لأنك أحب الناس إليّ اليوم، ولا لأنني أنتظر منك اعتذارًا، ولا لأنني أريد أن أستعيد منك شيئًا. بل لأن جزءًا كبيرًا مما احتجت سنوات حتى أفهمه، كنتَ أنت تعرفه وأنا أعيشه من الداخل ولا أعرف. وأريدك، هذه المرة، أن تقرأني حتى النهاية. لا أن تقاطعني. لا أن تستعين بأحد. لا أن تضع اسم الشيخ بيني وبين السؤال. ولا أن تضع يدك على المصحف لتجعل ما حدث كأنه لم يحدث. اقرأ فقط. لم تكن الحكاية مصنعًا لم يقم. ولا متجرًا في دبي لم يُفتح.

لو كانت كذلك، لما استحقت منك ولا مني كل هذا العمر. الحكاية بدأت في مكان آخر. يوم ارتفع الذهب وبدأ صاحب المال يريد ذهبه. كنتَ تعرف ذلك. وأنا لم أكن أعرف. كان الذهب الذي تتحدث عنه أمامنا كأن الأمور فيه بخير قد بدأ صاحبه يسأل عنه، وكانت هناك مهلة تحتاج إليها. وفي تلك المهلة نفسها أتيتني أنت. جئتني بالمستقبل. دبي. متجر. مصنع كبير في جدة. ملايين. مفاوضات. سفر درجة أولى. اجتماعات. مشروعات تقول إن الشيخ وراءها. قلت لي: اترك ما بقي عندك وتعال. وصدقتك. ولم أصدق كلامًا في الهواء فقط. أنت جعلت الوهم يلبس ثياب الحقيقة.

دُفعت أموال. استخراج أوراق. سجل للمصنع. وكلما مر في رأسي سؤال، أعطيتني شيئًا جديدًا يجعلني أقول: لا. الرجل جاد. لو لم يكن المشروع حقيقيًا، لماذا يصرف كل هذا؟ لم أكن أعرف أن بعض المال يمكن أن يُصرف لا ليصنع مشروعًا، بل ليجعل الوهم مقنعًا. وأقولها اليوم وأنا أفكر في كل ريال خرج على تلك الأوراق: لو تركته لأولادي كان أنفع. لو وضعته في بيت محتاج كان أشرف. لو أطعمت به بناتي كان أبقى. لكن المال خرج، والأوراق خرجت، والمشهد اكتمل، وأنا صدقت. وفي الوقت نفسه، كان صاحب الذهب ينتظر. وكانت المهلة تمضي.

وأنا لا أعرف أن الساعة التي أظنها بداية جديدة في حياتي هي عندك ساعة تأخير لحساب قديم. هذا هو الغدر الأول. ليس أنك وعدتني بمشروع وفشل. بل أنك كنت تعرف الحقيقة التي لو عرفتها أنا لتغير قراري كله، ثم تركتني أقرر حياتي من دونها. لو قلت لي: «يا أخي، الشيخ يريد ذهبه، والذهب ليس كما يجب، ونحن نطلب مهلة، وقد ينتهي كل شيء» لكان القرار قراري. أقف معك أو لا أقف. أترك ما بقي من عملي أو لا أتركه. أدخل معك في الخطر أو أحمي بيتي. لكن هذا الحق لم تعطِنيه. أعطيتني المستقبل. وأخفيت الحساب. ثم انتهت المهلة.

وجئتني. الرجل يريد ذهبه. تعال معي. أنت تستطيع أن تقنعه. رأيت الخوف في عينيك. وأعرفك منذ طفولتك. لم أر عليك ذلك الخوف من قبل. فغلب الأخ في داخلي كل سؤال. قلت: سأقف معه. وفي الطريق إلى الشيخ بدأ الوجه الآخر للقصة يظهر. أعطيتني الورقة. وفجأة وجدت أمامي خسارة قديمة أعرفها أكثر مما يعرفها كثيرون. واقعة الشرطة قبل نحو ست عشرة سنة. الخسارة التي ظللت طوال سنوات تتحدث أمام أمي وإخوتي والتجار وكأنك دفعتها عني. ثم أقرأ الورقة في يدي، قبل دقائق من مواجهة الشيخ، فأجد الخسارة ما زالت موجودة. ثم أرى في الورقة أشياء أخرى.

كلامًا يحمل أبي ذهبًا وأموالًا. مصاريف وأرقامًا لم أعرف عنها شيئًا. هنا فقط، بعد سنوات، استطعت أن أسأل نفسي السؤال الذي لم أكن قادرًا على فهمه وقتها: هل لهذا أردتني معك؟ إذا غضب الشيخ وانفجر الحساب، أكون أنا حاضرًا. وتكون أمامك خسارة قديمة يمكن أن تعود فوق رأسي. ويكون أبي حاضرًا في الورقة. وتتوزع النار. أما أنت، فتخرج منها بما تستطيع. لا أقول إنني قرأت عقلك في السيارة. لم أكن أعرف كل هذا وقتها. ولو كنت أعرف، لما دخلت بذلك القلب. قبل أن ندخل، أمسكت ركبتي بيدك الباردة. كنتَ ترتجف. طلبت مني ألا أقلل من قدرك أمام الشيخ.

طلبت مني أن أقول له إن سحب الذهب سينهي عائلة كاملة. وقلت لي، كلما مدحتك أكثر كان أفضل. وأنا فعلت أكثر مما طلبت. دخلت إلى الرجل وأنا قد رأيت الورقة. كان يمكن أن أقلبها عليك. ولم أفعل. لم أفكر حتى أن أستعمل الورقة سلاحًا. قلت في نفسي: هذا أخي. كنتُ ما أزال أدافع عنك حتى داخل رأسي. ثم تكلم الشيخ عن الذهب. وهناك فقط فهمت الحقيقة التي أخفيتها عني وأنا أركض خلف المصنع ودبي. الرجل كان يريد ذهبه منذ أشهر. وأنت تطلب المهلة. ومع ذلك تماسكت. لم أفضحك. بل وقفت معك. قلت للشيخ إن الذهب حقه.

وإنه ماله. لكنني شرحت له أن سحبه سيترك عائلة كاملة بلا مصدر. ثم أخرجت الورقة. والشيخ، بكرمه، لم يبدأ محاكمة. قال: «أبشر، اللي تبغاه يصير.» وقطع الورقة. بيده. أنا لم أرْمِ المشكلة فوقك. ولم أرْمِها فوق أبي. ولم أتركها تقع فوقي. أنا أطفأتُها. وهنا رأيت شيئًا لن أنساه. اطمأننت. رجعت إليك القوة. اليد التي كانت باردة قبل الدخول لم تعد ترتجف. الكرسي بقي تحتك. وبقي أمامك وقت آخر. وفجأة عاد الرجل القديم. وأنت ماذا فعلت عندما رأيت الأمور «سلامات»؟ ضربتني أنا. قلت أمام الشيخ إن أبي طردني. وسألك: لماذا؟ فقلت عني كلامًا يمس سلوكي.

ثم بمجرد أن هدأ خوفك، وجدتَ في نفسك القدرة على أن تصغرني أمام الرجل نفسه الذي جئتُ لأحميك عنده. هذه ليست زلة لسان عندي اليوم. هذه هي اللحظة التي كشفت لي ما لم أكن أريد أن أراه. احتجتني وأنا قوي بما يكفي لأن أحميك. ثم احتقرتني فور أن شعرت أنك لم تعد تحتاج إليّ. ثم جمعت العائلة. وأمام أمي واجهتك. ثم أخرجت المصحف. وحلفت. بهدوء. أمام أمي. أنك لم تقل ما قلته أمامي. الرجل قد ينسى جملة. لكنني لا أعرف كيف ينسى جملة، ثم يضع يده على المصحف ويحلف أنها لم تخرج من فمه.

لم تكن تطلب مني أن أسامحك. كنتَ تطلب مني أن أكذّب نفسي حتى تبقى أنت صادقًا. أن أكذب أذني. وأكذب ذاكرتي. وأكذب المجلس الذي كنت فيه. حتى تبقى أنت واقفًا بثوب الفضيلة. وسألت نفسي يومها: من أين جاءك كل هذا؟ متى صار أخي قادرًا على أن يفعل ذلك ثم يحلف؟ ومتى أصبحت الصورة أهم عندك من الحقيقة إلى هذه الدرجة؟ ثم بدأت الأشياء القديمة تعود إليّ واحدة بعد أخرى. الزكاة. وكان يصلني منك أن الأمر ليس بيدك. أو أن الشيخ يأخذ. أو اكتب خطابًا. ثم أجلس مع الشيخ نفسه وأسمعه يقول إن الزكاة كانت عندكم، وإن الأقربين أولى بالمعروف.

فماذا تريدني أن أفهم؟ كنتُ أرسل إليك وأنا أعد ما بقي في ثلاجتي. وأنت تصنع حولك صورة الكريم. ثم يصلني فوق ذلك أنك تقول إنك تعيلني وتعيل أولادي. حتى الذي لم تعطِه أردت أن تأخذ فضله. ثم دخل بيتي في الموضوع. بيتي الذي دفعت قيمته من تعبي، لكنه بقي مسجلًا باسم الشيخ. قلت لك: أنا لم يعد يهمني كرسيك. ولا لقبك. ولا ما تقوله للناس. أنا أخاف على بيتي. وأخاف أن يأتي يوم أدفع فيه ثمن أشياء فعلتها أنت ولا أعرفها. وأخاف أن يسألني الشيخ عن كلام قلته له بناءً على كلامك. وقلت لك بوضوح: هذه المرة سأذهب إليه بنفسي.

سأقول له كل شيء. وهنا، في نظري اليوم، تغير كل شيء. قبل ذلك كنت أخاك الذي يمكن أن تخدعه. بعد ذلك أصبحت أخاك الذي يعرف. هنا أصبحتُ خطرًا عليك. ليس لأنني كنت أريد إيذاءك. بل لأن الحقيقة إذا جلست أمام صاحبها لا تحتاج إلى كثير كلام. ثم جاءت المصيدة. ثم السجن. وأنا اليوم لا أكتب عن كل ما حدث في الخفاء وكأنني كنت حاضرًا فيه. كنت داخل الجدران. لكن ما عرفته بعد خروجي جعلني أعيد ترتيب كل شيء. وسمعت كيف استُخدم المال. وكيف تأخر ملفي. وكيف شُوه اسمي. وسمعت أنك كنت تتحدث عني كعدو. أنا. أخوك.

الرجل الذي حمى الورقة بدل أن يفتحها فوق رأسك. أصبح عدوك. ولم تكن المصيبة فيما حدث لي وحدي. كانت في بيتي. أنا داخل السجن. الكهرباء تُفصل عن بيتي. زوجتي وبناتي يضطررن إلى الذهاب. وابني يذهب إلى أعمامه. إلى عمه. إليك. هل تعرف إلى اليوم ماذا كان يحتاج منك؟ لم يكن يحتاج خطبة. ولا حكمًا على أبيه. كان يحتاج أن تقول له: «أنا عمك. أبوك غائب، وأنا هنا.» هذا كل شيء. لكن ماذا أعطيته؟ أعطيته الخوف. أمسكت يده. وقلت له إن اليد خمسة أصابع، وإذا أصاب السرطان إصبعًا يُقطع حتى لا ينتشر. ثم قلت له: «أبوك هو ذلك الإصبع.

يجب أن نقطعه من العائلة.» أي ذمة سمحت لك أن تقول ذلك لابن أخيك وأبوه في السجن؟ أي ضمير؟ لم تكتفِ. قلت له إن أباه مجرم. وإن المباحث اكتشفت أنه من كبار تجار المخدرات. وإنه قد يبقى خمسًا وعشرين سنة. وإن الأمر قد يصل إلى الإعدام. وهو يسمع. وأنا لا أعرف. بيتي بلا كهرباء. وابني خائف. وأنت لا تجد في يدك ما يساعده، لكنك تجد في فمك ما يهدم أباه داخله. هذا ليس خلافًا بين رجلين. هذا شيء لن تعرف ألمه لأنك لم تكن مكاني. وابني، بعدما خرجت، لم يستطع حتى أن يقول لي كل ما قيل له.

قال: «يا أبي، لا تجبرني أقول لك كل الكلام.» هل تعرف ماذا تعني هذه الجملة لأب؟ أن يخاف ابنك من إعادة الكلام الذي قيل له عنك لأن الكلام نفسه صار أثقل من قدرته على نقله. ثم قال لي ابني عنك كلامًا لم أتخيل أن أسمعه منه: كان يراك جبلًا. ثم رآك على حقيقتك. هذه ليست شماتة عندي. هذه مأساة. لأنك لم تسقط من عيني وحدي. سقطت من عين ولد كان يراك عمًّا كبيرًا. واليوم، وأنا أقترب من الخمسين، أسأل السؤال الذي لا يتركني: ماذا كنت تريد بي؟ هل كنت تريد أن أبقى هناك؟ خمسًا وعشرين سنة؟

أن يكبر أولادي وأنا خلف الحديد؟ أن تصبح الرواية التي قلتها لهم عني هي حياتهم؟ أن يتحول أبوهم في رؤوسهم إلى تاجر مخدرات ومجرم وسرطان يجب قطعه؟ أن يضيع بيتي؟ أن أخرج من العائلة وأنا حي؟ لا أعرف ماذا كنت تقول لنفسك كل ليلة. لكنني أعرف ماذا كنت تقول لابني. وأعرف أنك كنت تتحدث معه كرجل مطمئن إلى أن أخاه لن يعود قريبًا. كأن غيابي صار عندك أمرًا واقعًا. كأن خمسة وعشرين عامًا أصبحت وقتًا كافيًا لتكتب أنت قصتي بدلًا مني. لكن شيئًا لم يدخل حسابك. الله. خرجت. لم أبق خمسًا وعشرين سنة.

لم أتعفن خلف الجدران كما كانت الصورة التي تُقال لابني. عدت إلى بيتي. عدت إلى أولادي. وسمعت. وعرفت. وجمعت القطع التي لم أكن أعرف أنها من صورة واحدة. وفي تلك السنوات وصل الضغط بي إلى جسدي. ظهر أثر جلطة صامتة. لم أعرف متى جاءت. حمل جسدي ما لم أقله. وأنا لا أحتاج اليوم أن أحول مرضي إلى ورقة اتهام جديدة. يكفيني أنني أشرفت على الخمسين وأنا أكتب هذه الكلمات والدمع في عيني، وأسأل نفسي كيف استطاع أخي أن يريد لي كل هذا. جئتني أنت يوم كنت خائفًا. طلبت مني أن أقف معك. فوقفت.

أما أنا، فخرجت من السجن بعد كل ما حدث، ولم تأتِ لتقف أمامي. إلى اليوم. لم تقل: ماذا حدث لك؟ لم تقل: ماذا حدث لأولادك؟ لم تقل: انظر في عيني واسمعني. ربما لأنك تعرف أن هناك إنسانًا واحدًا لا تنفع معه الصورة التي صنعتها. أنا. أنا أعرفك قبل اللقب. قبل الكرسي. قبل أن تصبح «الشيخ» في أفواه من حولك. أعرف المؤسسة التي جعلتُها باسمك. أعرف كيف دخلت هذا العمل. أعرف من فتح لك الباب. وأعرف ماذا كنت تعرف عن الذهب وماذا لم تكن تعرف. وأعرف كلامك عن صاحب المال. وأعرف الورقة. وأعرف المجلس. وأعرف المصحف. وأعرف ابني.

وأعرف ما عرفته بعد السجن. وأنت تعرف أنني أعرف. أعرف من أمورك ما لو كنتُ أريد الانتقام لاستطعت أن أؤذيك به. لكنني لم أفعل. ولا أريد أن أفعل. ليس لأنني نسيت. ولا لأنني خائف منك. ولا لأن ما فعلته قليل. بل لأنني لا أريد أن أصبح أنت. أنت استعملت ما في يدك لإيذائي. وأنا أرفض أن أستعمل ما في يدي لأصبح نسخة منك. هذا هو الفرق الذي سيبقى بيني وبينك مهما حدث. أنا لا أريد لك السجن. ولا أريد لأولادك أن يعيشوا ما عاشه أولادي. ولا أريد أن يأتي ولد من أولادك يومًا ويقول عن أبيه ما اضطر ابني أن يقوله عن عمه.

أراك تصرف أكثر. وتبعثر أكثر. وتستسهل أكثر. وكأن كل ما حدث لم يعلّمك شيئًا. ولا أحتاج أن أدفعك إلى نهايتك. أكثر ما يؤلمني أنني أراك تسير إليها وحدك. كنت أخاف عليك في الماضي. كنت أقول لك: هذا مال رجل. أمانة. نحن عمال ولسنا أصحاب هذه الثروة. وكنت تجيبني عن نفسك: «أنا شيخ، وسأظل شيخًا، غصبًا عنك.» لم أفهم يومها أن المشكلة لم تكن في كلمة «شيخ». المشكلة أنك صدقت الصورة حتى نسيت من أين جاءت. أنا لا أكتب هذا لأهينك. الحقيقة لا تحتاج إلى إهانة. أريدك عندما تمسك هذه النسخة أن تعرف شيئًا واحدًا: أنا فهمت.

فهمت لماذا جاء المصنع في ذلك الوقت. وفهمت لماذا أقلقك قراري أن أذهب إليه بنفسي. وفهمت ما حدث لي بعد ذلك. وفهمت ماذا قلت لابني وأنا غائب. وفهمت لماذا كنت تتحدث عن خمس وعشرين سنة كأنها انتهت وحُسمت. وفهمت لماذا لم تأتِ بعد خروجي لتضع عينيك في عيني. أنت تعرف أنني أعرفك. وهذه هي الحقيقة التي لا يستطيع مالك أن يغيرها. يمكنك أن تشتري حولك مديحًا. وأن تصرف. وأن تكبر المجالس. وأن يسبق اسمك لقب. لكن المال لا يشتري ماضيًا جديدًا. ولا يمحو ورقة. ولا يمحو مجلسًا. ولا يمحو مصحفًا وضعت يدك عليه.

ولا يمحو بيتًا انطفأت كهرباؤه وأبوه في السجن. ولا يمحو ولدًا قلت له إن أباه سرطان يجب قطعه. ولا يجعل مال الرجل مالك. ولا يجعل الغدر أخوّة. ولا يجعل الصورة حقيقة. وحين كان اسمك في يدي، حميتُه. وحين خفتَ، جئتني. فوقفت معك. وحين احتجتني أمام الشيخ، ذهبت. وحين طلبت أن أمدحك، مدحتك. وحين استطعت أن أفضحك بالورقة، حفظتك. ثم حين أصبحت أنا في الضعف، ماذا فعلت أنت؟ هذا السؤال لا أحتاج أن تجيبني عنه. أفعالك أجابت. ولهذا، إذا جاء يوم وعدتَ فيه تحتاج أخاك أمام صاحب المال، لا تأتني كما جئتني أول مرة. لن أضع صدقي وراء كلامك.

لن أحمل عنك ما فعلته. لن أمدحك حتى يتأخر السؤال. ولن أكذب نفسي حتى تبقى أنت صادقًا. أتيتك أخًا يوم احتجت أخًا. أما حين احتاج أولادي عمًّا، فقد اخترت أنت لنفسك مكانًا آخر. وأنا اليوم لا أنتقم منك. لكنني أيضًا لن أحمي صورتك على حساب حقيقتي مرة أخرى. هذه المرة، لن أكون الخادم. ولا الدرع. ولا الشاهد الذي تستعمله. ولا الأخ الذي تعطيه نصف الحقيقة ثم تطلب منه أن يدافع عن النصف الآخر. هذه المرة ستقرأ. وستعرف أنني عرفت. وهذا يكفيني.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل العشرون
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الثاني · لم أكن الخادم1,587 كلمة · نحو 9 دقائق

الفصل العشرون

إلى أبي

ألوان القراءة
حجم النص

هذه المرة ستسمعني حتى النهاية. في المجلس الذي اجتمعت فيه بالأسرة جميعًا لأول مرة بعد لقائنا بالشيخ، كنت تستطيع أن تقاطعني قبل أن تعرف ما كنت سأقوله لك. أن ترفع صوتك، أو تشتمني، أو تقول لي: «اذهب وتوضأ قبل أن تذكر أخاك.» كنت تستطيع أن تنهي الكلام قبل أن يبدأ، ثم تخرج وأنت لم تسمع مني شيئًا. هنا ستجد ما لم تسمعه. يمكنك أن تغلق الكتاب. لكن الكلام سيبقى فيه. أول ما أريدك أن تعرفه أنني أتذكر. أتذكر طفولتي معك في بيتنا الأول بجدة من وقع خطواتك فيه. وأتذكر كيف أذهب إلى فراشي وأغمض عيني قبل أن تصل، وأنتظر تحت الغطاء.

لم يكن ينقصني النوم يا أبي. كان ينقصني أن تمر من أمام غرفتي من غير أن تناديني. كنت أحسب أيام الأسبوع بمقدار ما بقي منها حتى الجمعة. الأطفال ينتظرون يوم راحتهم، وأنا أنتظر يومًا أعرف ما سيحدث فيه لجسدي. أحفظ، وأراجع، وأراقب وجهك. قد تضيع مني كلمة، لكنني لا أضيع حركة يدك. ثم كانت العصي تتكسر. أريدك أن تقف عند هذه وحدها قليلًا. العصي التي تضربني بها كانت تتكسر، فطلبتَ عصًا لا تنكسر. كنتُ واقفًا إلى جوارك عندما سألك الرجل عن الحصان أو الحمار الذي سيُضرب بها، فأجبتَه وأنت تنظر إليّ. بقيت تلك النظرة معي.

كبرتُ، وتزوجتُ، وصار لي أولاد، وما زلت أتذكر خجلي وأنا طفل لا يعرف أين يضع عينيه. كانت العصا تستطيع أن تنكسر. أما أنا فكان عليّ أن أحتمل. وفي يوم الريالات الثمانية ربطتَ يدي خلف ظهري وضربتني بالسلك. لم تكن يداي قادرتين حتى على حماية وجهي. بكيتُ، وتوسلتُ، وحاولتُ أن أشرح لك. ثم وصلتُ إلى مرحلة لم أعد أعرف فيها أين يؤلمني جسدي. وأنت تعبتَ. هذا ما بقي معي أيضًا: أنك تعبتَ من ضربي. ثم وضعتَ الريالات الثمانية في يدي وأرسلتني إلى البقالة. نزلتُ بوجهي المتورم لأرد دينًا صغيرًا، وأنا أحمل على جسدي ما فعلته بي من أجله.

صاحب البقالة رأى وجهي وبكى. أنت رأيته قبله، ولم ترحمه أو تشفق عليه. كنت هناك طوال الوقت. لا تقل لي إنك لم تعرف مقدار ما حدث. لم تكن تسمع رواية شخص عن طفل بعيد. كنت تمسك ذلك الطفل بيديك. وحين جاءت الشرطة إلى المدرسة، دافعتُ عنك. كشفت الملابس ما كنت أحاول إخفاءه، ووقف الكبار يسألونني: من فعل بك هذا؟ وكان اسمك هو الجواب الذي لم أقله. قلتُ إنني سقطتُ من سور. واخترعتُ لنفسي أخطاءً حتى يجدوا لك عذرًا. تأمل هذا يا أبي: الطفل الذي تركتَ على جسده كل تلك الآثار كان يخاف أن تصل إليك تبعاتها.

ثم سميتني كذابًا. وحين حاولتُ تغيير درجة في ورقة مدرسية، أضفتَ: مزور. أنا لا أنكر ما فعلتُ. غيّرتُ الدرجة. وكذبتُ. لكنك كنت تعرف ماذا ينتظرني إن عدتُ إليك بها كما هي. كنت أنت الخوف الذي أحاول تأخير وصول الورقة إليه. احتفظتَ بخطيئة الطفل، وتركتَ خارج الحكاية يد الرجل الذي كان الطفل يرتجف منه. ولم يكن الحنان شيئًا تجهله. رأيتك تحمل أخي، وتضحك له، وتمسك بيده. رأيتُ غضبك إذا آذاه أحد. لهذا لم أستطع أن أقول لنفسي إنك رجل لا يعرف كيف يحب أبناءه. كنت تعرف. وكان لي أن أقف قريبًا بما يكفي لأرى، وبعيدًا بما يكفي لأبقى محرومًا.

لم أكره أخي لأنه وجد عندك ما احتجته. لم أتمنَّ له عصاك. كنت أريد يدًا أخرى تمتد إليّ. كان فيك حنان، وفي البيت مكان، لكنني قضيتُ سنوات أحاول أن أفهم لماذا لا أصل إليهما. ثم أعطيتني اسمي عندك: الخادم. كررته أمام إخوتي والعائلة وفي كل مكان، من دون خجل. وأخذتُ أنا أعمل كأن العمل يستطيع أن يغيره. أدرس، وأطيع، وأبيع، وأشتري، وأحمل المسؤولية، وأعود إليك بما أنجزتُ. كنت أظن أن هناك قدرًا من النجاح سأبلغه، فتتوقف عنده وتنظر إليّ. وصلتُ ذات يوم بربح يقارب المليون. وكان عندك خبر آخر: تأخرتُ خمس دقائق.

حركتَ كفك يمينًا ويسارًا كأن خبر الربح لا يستحق أن أكمله، وطلبتَ أن ترى الحضور. وقتها أيقنتُ أنك فقط تأتي لتبحث عن عذر يبرر ما سوف تفعله، من ممارسة ما تتلذذ به وتعودتَ عليه تجاهي. وقفتُ أمامك رجلًا يعرفه التجار ويسأل عنه الزبائن، وخفتُ كما كنت أخاف وأنا أمسك التقرير المدرسي. تغيرت الورقة، وكبر المبلغ، وبقي موقفي أمامك كما هو. لم أكن أريد منك مليونًا. كنت أريد أن ترى ما صنعتُه. أن تعترف، مرة، أن هذا الذي يقف أمامك بذل عمره في العمل، وأن له حقًا في الاحترام لا يسقط إذا تأخر خمس دقائق.

لكنني عدتُ أبحث عن الطريق إليك. أهديتُك السيارة. أعطيتُك المال. فتحتُ لك الحساب، وجلستُ أعلمك كيف تستخدم الصراف. وحين أدخلتَ الرقم السري أخفيتَ يدك عني. رأيتُ يدك، وسكتُّ. ثم اشتريتَ لي قهوة. أعرف كم يبدو هذا صغيرًا إلى جوار ما أرويه. لكنه لم يكن صغيرًا عندي. مشيتَ معي، وكلمتني بهدوء، وسألتني إن كنت أحبك وأسمع كلامك. أعطيتُك موافقتي قبل أن أعرف ما ستطلبه. طلبتَ أن أغلق تجارة الجوالات، فأغلقتُها وأنا ما زلت معك. إلى هذا الحد كنت أحتاجك. إلى الحد الذي جعل رجلًا له زوجة وأولاد يتنازل عن عمله، ثم يعود سعيدًا لأن أباه مشى بجانبه قليلًا.

هذه واحدة من أقسى الحقائق التي أكتبها عن نفسي. وأضعها أمامك لأنني تعبتُ من حمل خجلي وحدي، بينما يبقى ما فعلته أنت خارج السؤال. حتى بيتي لم يكفِ ليكون لي مكان. كنت تدخل غرفة نومي، وترمي فوقي سطلًا من الماء القذر وأنا نائم، وتفتش أكياس زوجتي، وتريد أن تعرف ما اشتريناه وما أنفقناه. وكنت أحاول أمامها أن أحفظ لك صورتك. أقول إنك تحبني، وإنك تريد مصلحتي. ثم تصدق هي الكلام الذي قلتُه أنا، وتجيب عن أسئلتك. ساعدتُك على الوصول إلى حياتي وأنا أحاول أن أدافع عنك فيها. وحين خرجتُ من العمل، وصل صوتك إلى أولادي.

بناتي يبكين عند الباب. وعلي يدخل غرفته. وزوجتي تتصل بي لأعود لأنك في البيت. كنت أعرف هذا الخوف. أعرفه من داخلي. ثم وجدتُه أمامي في وجوههم. أعطيتُك المال. وبعتُ السيارة. واستوليتَ على ذهب زوجتي وبناتي. وذهب الهاتف والرقم. كنت أريد أن يتوقف طرق الباب، وأن يجلس أولادي في بيتهم من غير أن ينتظروا الجولة التالية. ولم تعد المسألة عندي ما سأملكه بعدك. أردتُ أن أعرف ماذا سيبقى من بيتي إذا استمرت الحياة بهذه الصورة. وأمي كانت فوقي. طابق واحد بيننا، وحذّرتَها من زيارتي، فمرت سنوات لا تدخل فيها بيتي. أريدك أن تتذكر المسافة كما كانت: أمتار قليلة بين أم وابنها.

هذا أيضًا مما حدث في عائلتنا. لم يحدث في بيت غريب، ولم يفعله بنا الزمن وحده. وكنتَ تقول لي: «نفسك نفس عُسن». والعُسن في لهجتنا هي القطة التي لا تشبع؛ تحب نفسها، وتريد كل شيء، ولا ترى أحدًا غيرها. كنت أسمعها فأتألم، وأحيانًا أراجع نفسي فعلًا: هل أنا أناني؟ هل لا أرى إلا نفسي؟ ثم كبرتُ، ونظرتُ إلى ما أعطيتُه لعائلتي، وكل ما فعلتُه لك ولهم، فعرفتُ الآن أن الوصف لم يكن عني. الوصف كان عنك أنت. وتقول إنني سأفشل وإن ابني سيصبح عاقًّا. ثم خرجتُ أنا، وبقيتَ أنت مع المال والذهب الذي بنيتُه لك بسنوات من عمري وتعبي.

لكنك، بدل أن تحافظ على ما بنيتُه، انشغلتَ بي. لم تترك تاجرًا في السوق إلا وحذّرتَه مني أو شوّهتَ صورتي أمامه، كأن تشويه سمعتي كان أهم عندك من تجارتك نفسها. كنت تخاف من الأفاعي السوداء التي تراها في أحلامك، لكنك لم ترَ ما كان يضيع من بين يديك وأنت مشغول بي. وبعد كل ذلك، كان يأتيك مصروف من مالي، وبقي فضولك يؤرقك. تسأل ابني الذي قلتَ إنه سيصبح عاقًّا: كيف تصرفون؟ كيف تأكلون؟ كيف تسددون؟ ألم تخجل؟ مر أكثر من ستة عشر عامًا وأنا بعيد. لم أكن هناك لتجعلني عذرك. فأين المال؟ أين الذهب؟ أين ما بنيتُه لك؟

أما أنا، فانظر إلى ابني، وانظر إلى بيتي الهادئ. قلتَ إنني سأفشل. لكنني خرجتُ وبنيتُ حياتي. وبقيتَ أنت مع ما بنيتُه لك. ثم أضعتَه. ولولا ذهب الشيخ، تلك الأمانة التي يظن كثيرون أنها ملكك، لانكشفت الصورة كلها. وحتى هذا الذهب ليس بيدك؛ أخي يتحكم فيه، ويعطيك منه فتاتًا، ويمضي به نحو المصير نفسه الذي انتهى إليه ما تعبتُ أنا في بنائه لك. وما كان ليبقى لك شيء؛ ولو كان لك، لأنهيتَه. وكنتَ تظهر أمام الناس أبًا يحمل نفقات أسرته. تصرف في العزائم والمشتريات، وتقول إنك تنفق علينا. أنا اليوم لا أريد منك شيئًا.

ولو أكلتُ التراب، لا أريد مالك، ولا يشرفني أن آخذ منك شيئًا. لكنني لن أقبل أن تنسب إلى نفسك إعالتي، وأنا الذي كنت أعطيك. وحين كنتُ في السجن، اتصل بك حفيدك من أجل الكهرباء، وكلّمتك زوجتي، فلم يجدا عندك ذلك الكرم الذي يعرفه الناس. وأنا أكتب هذه الصفحات، ما زلتَ تعتمد على أخي، وما زالت أمانة الشيخ وراء هذه الصورة. كنتُ أرى أنك تعرف الخلل، لكنك تسكت ما دام المال يصل إليك. أرى المسار نفسه يتكرر أمامي، وأعرف أن لكل شيء نهاية. وكان الناس يرون صلاتك والتزامك، وكنتُ أسمع دعاءك عليّ.

كلمات تتوالى حتى أتعجب: كيف يجد أب كل هذا الكلام ليدعو به على ابنه؟ أي صورة كنت تصدقها عن نفسك وأنت تفعل بنا هذا؟ أنت مسؤول عما فعلتَ يا أبي. عن اليد، وعن السلك، وعن الكلام الذي سمعه إخوتي وأولادي، وعن الخوف الذي احتجتُ سنوات لأفهم لماذا أعتذر أنا بسببه. لن أضع كلمة «أبي» فوق هذه الوقائع حتى تمنعني من رؤيتها. لقد وضعتُها فوقها طويلًا. كلما آذيتني قلتُ: أبي. كلما أخذتَ مني قلتُ: أبي. كلما وجدتُ لك عذرًا جديدًا، كان عليّ أن أعيش أنا النتيجة. ولن أعتذر عن كتابة ما عشتُه. كان الصمت هو الشيء الذي أتقنتُه أمامك، وقد كلفني كثيرًا.

أما احترامك فلا تستطيع أن تأمر به بعدما جعلتَني أدفع ثمنه من كرامتي. لا يخرج من فم رجل خائف كل ما في قلبه، ولا يعني سكوته أنك أقنعته، ولا أن حقه انتهى. ولا أملك لك مسامحة أضعها في آخر الكتاب حتى تبدو الحكاية أجمل مما كانت. لا سامحك الله على ما فعلتَ بذلك الطفل. أقولها وأنا أعرف مَن أعني: الطفل الذي كان يخفي ذراعيه، ويتظاهر بالنوم، ويطلب من الشرطة ألا تتصل بك. الطفل الذي ظل يحبك، وظل ينتظر منك ما كان يراك تمنحه لغيره. لم يكن عليه أن يكسب مليونًا حتى يستحق أن تأمن حياته بين يديك. ولم يكن عليه أن يكتب كتابًا حتى يثبت أنه تألم. ومع ذلك، ها هو الكتاب. يمكنك أن تنكر ما فيه، كما أنكرتَ من قبل ما لم يعجبك أن تسمعه. لكنك لن تختار لي الاسم الذي أخرج به منه. كنتُ ابنك. ولم أكن الخادم.

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/الفصل الحادي والعشرون
ZIYAD ABU ALI / ZA60
الجزء الثاني · لم أكن الخادم912 كلمة · نحو 5 دقائق

الفصل الحادي والعشرون

إلى ابني

ألوان القراءة
حجم النص

يا ولدي، أريدك أن تستطيع إغلاق هذا الكتاب، وألّا تخاف عليّ حين تفعل. لقد عشتُ ما فيه، وكتبتُه، وتأخرتُ طويلًا حتى استطعتُ أن أقول بعضه. لكنني لا أضعه بين يديك لتكمل عني خصومة، أو لتقضي بقية عمرك تحاول أن تعيد إليّ ما فاتني. يكفيني أنك ابني. لم يكن ينبغي أن تحتاج هذه المحبة إلى كل تلك الصفحات لتصل إليك. حين جئتَ إلى حياتي، كنتُ ما أزال أحاول أن أصل إلى أبي. حتى اسمك اخترتُه وأنا أنظر نحوه؛ سمّيتُك باسمه، وفي قلبي رجاء قديم أن يرضى، أن يلتفت، أن يجد في ما فعلتُ ما يقرّبني منه.

كان ينبغي، وأنا أختار اسمك، أن أفكر في العمر الذي ينتظرك، لا في العمر الذي أمضيتُه أنتظر. لهذا أعتذر إليك. ليس في الاسم ذنب، وليس فيك شيء يحتاج إلى اعتذار. إنما أعتذر لأن شيئًا من حاجتي إلى أبي دخل معي يوم اخترتُ لك ما سيناديك به الناس. حملتَ اسمه، لكنه لم يلتفت إليك يومًا ليعرف من أنت. كنتَ تكبر قريبًا منه، ولا يراك إلا مصادفة؛ وحتى حين يراك، لا يسأل عنك، بل يسألك عني: من أين لأبيك المال؟ كيف ينفق عليكم؟ وكيف تعيشون؟ أسئلة تحقيق، لا أسئلة جدّ اشتاق إلى حفيده. أعطيتُك اسمه رجاء أن يقرّبنا إليه؛ فحملتَ الاسم، ولم تجد صاحبه.

ثم كبرتَ، وصار الاسم اسمك. صار وجهك أنت، وصوتك أنت، والإنسان الذي يعرفه أصحابك ويحبّه أهله. لم تعد حروفه تعيدني إليه كلما ناديتُك؛ صارت تدلّني عليك. خذ اسمك مطمئنًا. لا يلزمك أن تغيّره لتبتعد عن أحد، ولا أن تحمل من أجله سيرة أحد. يكفي أن تعيش به حياتك. حاولتُ أن أجعل لك ولأخواتك بيتًا تستطيعون فيه أن تكونوا أطفالًا. أن تضحكوا دون أن تلتفتوا، وأن تخطئوا دون أن يصبح الخطأ خوفًا من العودة إلى البيت. كنت أعرف كم يتعب الطفل الذي ينشغل بوجه أبيه عن وجه العالم. لكنني لن أقول لك إن شيئًا مما عشتُه لم يصل إليكم.

وصل بعضه. دخل الخوف بيتنا، وسمعتَ كلامًا عني لم يكن ينبغي أن يُقال لك، ورأيتَ على وجهي ما كنت أتمنى أن تجهله. ولا يحق لي، لمجرد أنني أردتُ حمايتك، أن أقرر أنني نجحتُ في كل مرة. لك ذاكرتك أيضًا. وإن بقي فيها ما يؤلمك، فأريد أن أسمعه منك كما عشتَه، دون أن أقاطعك بما كنتُ أقصده. أتذكر يوم رأيتُ يد جدّك والمفتاح عند أذنك. أمسكتُ يده وأوقفتُه. عرفتُ تلك القسوة قبل أن أجد لها كلامًا؛ عرفها جسدي. لكنك كنتَ هذه المرة الطفل الواقف أمامي، وكنتُ أنا الرجل الذي يستطيع أن يتدخل. لم أستطع أن أفعل ذلك لنفسي حين كنتُ في عمرك.

استطعتُ أن أفعله لك. وكان ذلك من أبسط واجباتي، وإن احتجتُ عمرًا لأعرف كيف أقف تلك الوقفة. ثم جاءت أيام غبتُ فيها خلف الجدران، ولم أستطع أن أكون بينك وبين ما يقال. كنتَ قد صرتَ شابًا، لكنك كنتَ ابني أيضًا، ومن حقك أن تحتاج إليّ. فإذا بك تحمل همّي، وتقف إلى جوار أخواتك، وتحاول أن تسند البيت وأنا بعيد. وصلني حبك في ما كتبتَ. عرفتُ اشتياقك، وعرفتُ أن الكلام الذي سمعته عني لم يمحُ الأب الذي عرفته. كنتُ فخورًا بك. وكنتُ أتمنى، في الوقت نفسه، ألّا تحتاج إلى كل تلك القوة مبكرًا.

حين أقول إنك صرتَ رجل البيت في غيابي، أشعر بالامتنان، وبالحزن على ما اضطررتَ إلى حمله. لا أريد أن يتحول فخري بك إلى تكليف يستمر بقية حياتك. ما فعلتَه يوم احتجنا إليك لا يجعل حاجتنا واجبك الدائم. ولا أريدك أن تقرأ هذه الصفحات فتظن أن حزني أقدم من حزنك، ولذلك هو أحق بالكلام. إذا آذيتُك يومًا، فقل لي. لا تعفني لأنك تعرف ما حدث لي، ولا تبحث لي عن عذر قبل أن تمنح نفسك حقها في الألم. لقد عشتُ طويلًا أصنع الأعذار لأبي. لا أريد أن أعلّمك الصنعة نفسها معي.

أريد أن أستطيع الاعتذار لك دون أن أشعر أن أبوتي نقصت، وأن تستطيع مخالفتي دون أن تتساءل إن كنتَ ما تزال محبوبًا. ليس عليك أن تصبح الصورة التي رسمتُها لك كي تحتفظ بمكانك عندي. وأنا أعتزّ بأدبك وطيبتك، لكنك لا تحتاج إلى أن تكون كاملًا. تستطيع أن تتعب، وأن تحتار، وأن تأتي إليّ بخطأ لا تعرف كيف تصلحه. لا أريد أن تخفي عني ضعفك حتى أبقى فخورًا بك. أنت ابني في الأيام التي تعجبك فيها نفسك، وفي الأيام التي يصعب عليك فيها أن تحبها. وحين تختار طريقك، لا تلتفت كل قليل لترى إن كنتُ راضيًا بما يكفي لتواصل السير.

سأشتاق إليك إذا ابتعدتَ، وقد أقلق، وربما يصعب عليّ أن أعتاد غيابك. هذه مشاعري التي عليّ أن أتعلم العيش معها؛ لا ينبغي أن تصبح حدود حياتك. ابنِ بيتك، وأحبّ، وامنح أيامك لما تراه جديرًا بها. لا تؤجل فرحًا لأن أباك لم يعرف مثله. أحبّ أن أعرف أن في حياتك أشياء جميلة لم أكن أنا سببها، وأماكن تحبها لم آخذك إليها، وأحلامًا لم تخطر لي. وأفخر بما صرتَ إليه، دون أن أنسب كل خير فيك إلى نفسي. لك ما اخترتَه وتعلمتَه وصنعتَه. وفيك خير أتعلمه منك. لا أطلب منك أن تكره أحدًا نيابة عني. ولا أن تسامح أحدًا إرضاءً لي.

أردتُ أن تعرف ما جرى، ثم يبقى لك حق النظر والشعور والاختيار. لقد أخذت هذه الحكاية من حياتي ما يكفي؛ لا أريد لها أن تأخذ من حياتك أيضًا. أحبك يا ولدي. وأحب أخواتك. وحين أسمع ضحككم، أشعر أن في حياتي شيئًا وصل إلى مكانه، ولو متأخرًا. بدأ هذا الكتاب بطفل يريد قليلًا من الهواء. وأصل إلى آخره وأنا أفكر فيك، وفي كل ما أتمنى أن تتسع له حياتك. لهذا، حين تغلقه، لا تبقَ واقفًا عند طفولتي. اذهب إلى يومك. إلى من تحب. إلى عمل تؤمن به، أو فرح صغير لا يحتاج إلى سبب كبير. وإذا احتجتَ إليّ، فأحبّ أن تأتي كما أنت، من غير أن تهيئ كلامك أو تتدرّب على الاعتذار. لقد أمضيتُ طفولتي أبحث عن جواب لسؤال: ماذا سيحدث لي حين أعود إلى البيت؟ وأريدك أن تعرف جوابك قبل أن تصل: سأفرح لأنك جئت. أبوك

السابقالفهرسالتالي
المكتبة/لم أكن الخادم/إلى من عرفونا… وإلى من يقرأ
ZIYAD ABU ALI / ZA60
لم أكن الخادم · الختام1,243 كلمة · نحو 7 دقائق

إلى من عرفونا… وإلى من يقرأ

ألوان القراءة
حجم النص

كان أبي ينفق أمام الناس، وكان بيتي بلا كهرباء. كنت في السجن. زوجتي وأولادي يحاولون تدبير أيامهم، وحفيده يتصل به من أجل الكهرباء. لم يصل إلى ذلك البيت من الكرم ما يكفي ليضيء مصباحًا. ومع هذا، كان يصلني أنهما يقولان للناس إنهما ينفقان علينا. إلى الذين عرفوا تلك الصورة أكتب. أريد أن أضع أمامكم البيت الذي لم تروه. أنا الرجل الذي عمل وبنى وأعطى، وأعتز بذلك. أعرف كيف بدأنا، وكيف صار المحل الأول «سوبر ماركت الذهب». أعرف الليالي التي أعطيتها للعمل، والثقة التي كسبتها، والاسم الذي صار الناس يسألون عنه.

وحين خرجت، تركت وراءي شيئًا قائمًا، يستطيع من يحافظ عليه أن يعيش منه ويكبر به. كنت أحلم بإمبراطورية عائلية. أعتقد أننا كنا نستطيع أن نصنع سلسلة فروع، وأن يجد كل واحد منا مكانه، وأن يكون ما بدأناه سببًا لطمأنينة أولادنا. أستحي وأنا أكتب كم كان ذلك ممكنًا، وكم ابتعدنا عنه. لكن أبي أراد أن يبقى صاحب الأمر، وأخي أراد أن يصبح صاحب المكانة. وفيما عشته معهما، صار الحفاظ على السلطة والصورة أهم من الحفاظ على العمل نفسه. كنت أعرف التجارة، وأحمي أبي بإخفاء ما أعرفه عن قدرته على إدارتها. ثم رأيت ما بنيته يضيع، ورأيت كيف يعود ضياعه إليّ في الكلام.

حين يُسأل عن المال، يصبح الجواب أن ابنه أخذه. يستهلك ثمرة عملي، ثم يتركني أمام الناس مسؤولًا عن غيابها. وأخي، الذي فتحت له الطريق وسلمته عملًا قائمًا، صار يقدم نفسه بصورة الرجل الذي تحمل عني وأنفق عليّ. أعرف ما أعطيته، وأعرف ما عرفه عن التجارة يوم بدأ. لكن الذي يصل إلى الناس يجعلني أنا العبء، ويجعله صاحب الفضل. هكذا تناوبا على تشويه سمعتي. عند أبي أنا الذي أكل المال، وعند أخي أنا الذي ترك وراءه ما اضطر هو إلى إصلاحه. وبين الروايتين يختفي الرجل الذي بنى، ويظهر رجل آخر يحمل اسمي. كنت بعيدًا، ومع ذلك ظل اسمي يعمل عندهما.

كان بين يديهما عمل وأمانة أكبر من قدرتهما على حفظهما كما رأيت. أبي يريد سلطة، ويبدد ما يسندها. وأخي يريد أن يُذكر بين الشيوخ والمستثمرين، ويصرف ليحافظ على تلك الصورة، حتى جاءني يومًا يعترف بأنه لا يعرف ماذا لنا وماذا علينا. كنت أخاف أن تبتلع رغبته في المكانة أمانة الرجل الذي ائتمننا، وأن يمتد الأذى إلى من يذكّره بأن المال ليس ماله. اللقب لا يسدد عجزًا، وكثرة من يمدحونك لا تعفيك من أن تعرف حسابك. ومع ذلك، كان أبي يحميه من السؤال الذي طالما حاصرني به. لم يكن يؤلمني فشلهما وحده.

كان يؤلمني أن أجد نفسي مطلوبًا كلما احتاج الفشل إلى اسم يحمله. وقد ساعدتهما بسكوتي. أعترف بذلك. كنت أكره المواجهة، وأتعب من الشرح، وأتنازل كي ينتهي الصراخ. صرت كبش الفداء الذي يعرفون أنه سينشغل بالنجاة من المشكلة، أكثر من انشغاله بمن وضعها فوقه. منذ نحو ست عشرة سنة اخترت الابتعاد عن تلك الدائرة. بقيت صلات، وعدت حين صدقت اعتذارًا، لكنني كنت أريد أن أعمل وأعود إلى بيت هادئ. لم يكن تصحيح كل ما يقوله الناس عني أهم من مساء أعيشه مع أولادي دون خوف. كنت أقطع الحديث إذا شعرت أن أحدًا يحمل كلامًا عنهما، وأبحث عن أناس يعرفونني مما يرونه مني.

حتى حارس العمارة كان يرى ما لا تراه المجالس: يرى الصرف، ويعرف أنني قد أستلف منه مبلغًا بسيطًا لأكمل حاجة في البيت. كان يستغرب ويسأل، بينما تتسع في الخارج حكاية الابن الذي سرق المال. لم أكن أريد أن أعرض حاجة أولادي على الناس حتى أبرئ اسمي. وأعرف ما أعطيته بمحبة، وما خرج من بيتي تحت الضغط. لا أخلط بين هدية قدمتها برضاي وذهب أُخذ من زوجتي وبناتي في قصة لم يدخلن فيها. وأعرف أن مال الشيخ يبقى ماله؛ أخذه وإنفاقه بغير حق لا يصيران كرمًا لأن الناس مدحت المنفق. ما عشته جعلني أخاف من مواجهة لا أعرف أين تنتهي.

أتكلم عن حساب، فأجد نفسي أدافع عن سلوكي أو كرامتي أو عرضي. تُحاك رواية لم تخطر لي، وتُكرر بثقة حتى تبدو حقيقة، ثم يصبح ارتباكي أمامها دليلًا جديدًا عليّ. وأعتز بأنني لم أفكر يومًا في تدبير مثل ذلك لهما. حين جاءني أخي خائفًا، فكرت كيف أطمئنه. وحين احتاج إلى وقوفي معه، ذهبت. لم أعرف أنني أحتاج إلى حماية نفسي من الرجل الذي أحاول حمايته. بعد ذلك قرأت وتعلمت عن أنماط من الاستغلال، وتضخيم الذات، والحاجة إلى الإعجاب، وضعف التعاطف. ساعدتني القراءة على فهم بعض ما عشته. لم تعد تلك الوقائع عندي خلافات منفصلة أبحث لكل واحدة منها عن عذر.

ورأيت أخي يحلف على المصحف وينكر كلامًا سمعته منه. عندها عرفت أن عليّ أن أصدق أذني، مهما بدا قسمه مطمئنًا لغيري. قد أختلف معكم في بعض ما ترونه علامة صلاح. لكن الرحمة تُعرف حين يحتاج إليك طفل، والأمانة تُعرف حين يصبح مال غيرك تحت يدك. الصلاة أمام الكعبة لا تجعل أخذ الحقوق عدلًا، ولا تمحو قسوة يعيشها أهل البيت. ثم دخلت السجن، وخرجت لأعرف ما عاشته زوجتي وأولادي، وما سمعه ابني وهو يطلب المساعدة. هناك انتهى عذر الصمت. كنت أتحمل كي لا يصل الأذى إليهم، فإذا بهم يحملون ما أخفوه عني كي لا يزيدوا ألمي.

ومع ذلك، لا تنتظروا مني شماتة إذا انكشفت الحسابات. أخشى ذلك اليوم، وأخشى أن يُلقى فوقي مرة أخرى ما لا علاقة لي به. فالابتعاد لا يمحو القرابة. سيقال: أبوه وأخوه. وسيحمل أولادي اسم العائلة نفسها. لكن خوفي من العاقبة لن يجعلني أقبل أن أكون المذنب الجاهز لها. إليكم أترك صوتي، بعدما وصل إليكم اسمي طويلًا بأصوات غيري. أنا فخور بما بنيت، وبأنني استطعت النهوض، وبأن ما عشته لم يجعلني أتمنى لأولادهما ما عاشه أولادي. كنت أريد أن أبني بأهلي مستقبلًا نفتخر به جميعًا. ما زلت أحزن على المستقبل الذي كان يمكن أن يجمعنا.

وانكشافهما، إن حدث، لن يعيد إليّ ذلك المستقبل. كنت طفلًا حين قلت إنني سقطت من سور. ولم تكن حكاية السور أكبر الكذبات. أكبرها كذبة صدّقتها أنا عن نفسي: أنني أستحق ما يحدث لي، وأن ما أسمعه عني — كذّاب، مزوّر، خادم — هو حقيقتي. الطفل لا يسمع هذا كلامًا. يسمعه حقيقة. يكبر معها، ويبني عليها حياته، ثم يقضي عمره يحاول أن يثبت عكسها. كتبتُ هذا الكتاب لأقول لذلك الطفل، أينما كان الآن، ما لم أسمعه في طفولتي: ما قيل لك عنك ليس أنت. وما فُعل بك ليس ذنبك. ولا ألومك إن سكتَّ أو كذبتَ؛ كنتَ تفعل ما تستطيعه.

ولا يلزمك أن تحمي من آذاك. وإن وجدتَ من تثق به، فقل له الحقيقة من أول مرة، لا بعد حكاية السور. وأقول للكبار أيضًا: الطفل يسمعكم، حتى حين تظنون أنه لا يفهم. وما تقولونه له عن نفسه قد يصير الصوت الذي يسمعه في رأسه حين يكبر. وهناك شيء آخر عشته من قرب. الفضيلة ليست ثوبًا. رأيت من يتكلم عن الدين والخُلق وهو يؤذي من في بيته. ومن يُعرف بين الناس بالصلاح ويعرفه أهله بوجه آخر. ومن يحاسب غيره على إيمانه، ولا يحاسب نفسه على ما فعلته يده. وعرفت أيضًا أهل فضل حقيقيين، ولا أكتب هذا لأهدم الفضيلة.

أكتبه لأن أقسى ما يسمعه طفل يتألم أن يُقال له: إن من يؤذيه رجل صالح، وإن عليه أن يصمت. والمعيار الذي تعلّمته متأخرًا: لا تسأل فقط كيف يبدو الإنسان أمام الناس. اسأل كيف يعامل من لا يملك أن يردّ عليه. لم أكتب لأخاصم أحدًا، ولا لأثبت للناس أنني كنت على حق. تعبت من الإثبات. أريد أن أهدي أول نسختين من هذا الكتاب إلى أبي وأخي. أريدهما أن يقرآ ما بقي في داخلي بعد كل ما حدث. كتبت ما عشته بصدق، لأخفف شيئًا من حمله. وقرأتُ حديثًا تجارب أناس يشبهونني، فعرفت أنني لم أكن وحدي.

أحببت من آذاني، وما زلت أعرف لهم خيرًا. والحب لا يمحو الألم، والاعتراف بالألم لا يمحو الحب. ولا أريد أن أورّث من يقرأني ألمي، ولا خصومتي. الألم أخذ من حياتي ما يكفي. إن كان هناك شيء يستحق أن يصل إلى من يأتي بعدي، فهو الفهم الذي أخذ مني كل هذه السنوات حتى أصل إليه. كتبت هذا وأنا في الخمسين. ولو وجدتُ من يضع في يدي وأنا في العشرين بعض ما أعرفه اليوم، لوفّرتُ ثلاثين سنة. هذا الكتاب هو تلك الثلاثون سنة. خذها. ولا تدفعها مرةً أخرى.

رسائل المؤلف

اشترك لتصلك أخبار الكتب والمقالات عند تفعيل خدمة البريد.

التسجيل متوقف لحين ربط الخدمة الخارجية واعتماد نص الخصوصية. لا يُرسَل بريدك ولا يُحفَظ هنا.

تفاصيل حفظ بيانات القراءة والتسجيل: خصوصية القارئ

السابقالفهرس
المكتبة/لم أكن الخادم/خصوصية القارئ
ZIYAD ABU ALI / ZA60
لم أكن الخادم · خصوصية القارئ

خصوصية القارئ

ألوان القراءة
حجم النص

حفظ القراءة

تُحفَظ اختيارات لون الصفحة وحجم النص والموضع الذي وصلت إليه في التخزين المحلي لمتصفحك على جهازك فقط. لا تُرسَل هذه البيانات إلى صاحب الموقع أو إلى خدمة تحليلات من خلال ملفات القارئ.

البريد الإلكتروني

خانة التسجيل الموجودة بعد خاتمة الكتاب غير مفعّلة حاليًا. لا تجمع هذه النسخة عنوان بريدك الإلكتروني، ولا ترسل نموذج التسجيل إلى أي جهة.

التحكم في البيانات

يمكنك إزالة بيانات القارئ من إعدادات المتصفح بحذف بيانات الموقع. إيقاف التخزين المحلي قد يمنع حفظ التفضيلات والموضع.

روابط الموقع والاستضافة

قد تعالج استضافة الموقع بيانات اتصال تقنية لتقديم الصفحات. الروابط التي تخرج من القارئ إلى الموقع الرئيسي تخضع لإشعار خصوصية الموقع الرئيسي.

التحديث قبل تفعيل التسجيل

إذا فُعِّل التسجيل لاحقًا فسيُعلن عن مزوّد البريد وطبيعة البيانات والهدف من الجمع وطريقة الإلغاء والحذف قبل إرسال أي بريد إلكتروني. لا يعبّر هذا النص عن تفعيل قائم الآن.

العودة إلى الخاتمة
© 2026 زياد أبو علي. جميع الحقوق محفوظة.العودة إلى الموقع الرسميخصوصية القارئ